تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روضة الأعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام — صفحة 410

مساهمون:

ص٤١٠
خفاء أن اللاحن يصير نفسه هدفا لسهام التنقيص له ، والازدراء بقدره ، ويعرض نفسه للوقيعة فيه ، وسلامة العلم بها من معرفة ذلك كله ظاهر في حفظها لهذا الضروري الآخر على رأي من ضمه إلى جملة الضروريات المتقدمة ، ولموقع صون العرض بها في نفوس ذوي الهمم العالية ، كانوا إذا نبهوا على ما عسى أن يكون مثيرا للشك في مخالفة الصواب فيها ، يبادرون إلى الوقوف على جلية ما ينفي عنهم وصمة الانتساب إلى الجهالة بها حماية لعرضهم ، وترفعا عن حطة اللحن ، وخسة النقيصة به . فيحكى عن المتوكل « 1 » « أنه قرأ يوما وبحضرته الفتح بن خاقان :
وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ
« 2 » فقال له الفتح : يا سيدي ، « إنها إذا جاءت لا يؤمنون » بالكسر ، فتبايعا على عشرة آلاف دينار ، وتحاكما إلى يزيد بن محمد المهلبي « 3 » ، وكان صديقا للمبرد ، فلما وقف يزيد على ذلك خاف أن يسقط أحدهما ، فقال : واللّه ما أعرف الفرق بينهما ، وما رأيت أعجب من أن يكون باب أمير المؤمنين يخلو من عالم متقدم ، فقال المتوكل : فليس هاهنا من يسأل عن هذا ؟ فقال : ما أعرف أحدا يتقدم فتى البصرة ويعرف بالمبرد ، فأمر أن يشخص فنفذ الكتاب إلى محمد بن القاسم بن محمد بن سليمان الهاشمي بأن يشخصه مكرما . فحدث المبرد قال : وردت « سر من رأى » « 4 » ، فأدخلت على الفتح بن خاقان ، فقال : يا بصري ، كيف تقرأ هذا الحرف « وما يشعركم « إنها » إذا جاءت
هامش
( 1 ) المتوكل على اللّه جعفر بن محمد المعتصم باللّه بن هارون الرشيد ، يكنى أبا الفضل ، بويع له بالخلافة بعد الواثق ، قتل ب « سر من رأى » سنة 247 ه - 861 م . انظر : تاريخ بغداد : 7 / 165 - 172 . ( 2 ) سورة الأنعام ، الآية : 109 . ( 3 ) هو أبو خالد يزيد بن محمد بن المهلب بن المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة ، بصري ، شاعر ، محسن من شعراء الدولة الهاشمية . انظر : سمط اللآلئ : 2 / 839 - 840 . ( 4 ) « سامراء » « أو سر من رأى » مدينة كانت بين بغداد وتكريت على شرقي دجلة ، من أهم آثارها : قصر المتوكل . انظر معجم البلدان : 3 / 173 .