قال المبرد : فلما عاد إلى البصرة ، قال لي : كيف رأيت يا أبا العباس ؟
رددنا للّه مائة فعوضنا ألفا » « 1 » .
زاد الزبيدي في بعض مساق الحكاية أن الواثق قال له : « إن هاهنا قوما يختلفون إلى أولادنا فامتحنهم ، فمن كان منهم عالما ينتفع به ألزمناه ، ومن كان بغير هذه الصورة قطعناه عنهم . ثم أمر فجمعوا إلي فامتحنتهم فما وجدت طائلا ، وحذروا ناحيتي ، فقلت : لا بأس على أحد ، فلما رجعت إليه قال : كيف رأيتهم ؟ قلت : يفضل بعضهم بعضا في علوم يفضل الباقون في غيرها ، وكل يحتاج إليه ، فقال لي الواثق : إني خاطبت منهم واحدا فكان في نهاية الجهل في خطابه ونظره ! فقلت : يا أمير المؤمنين أكثر من تقدم منهم بهذه الصفة ، ولقد أنشدت فيهم :
إن المعلم لا يزال مضعفا * ولو ابتنى فوق السماء بناء
من علم الصبيان أصبوا عقله * حتى بني الخلفاء والأمراء 107 ظ / /
قال : للّه درك يا بكر ! كيف لي بك ؟ قلت : يا أمير المؤمنين ، إن الغنم والفوز في قربك والنظر إليك ، ولكني ألفت الوحدة ، وأنست بالانفراد ، ولي أهل يوحشني البعد عنهم ، ويضر بهم ذلك ، ومطالبة العادة أشد من مطالبة الطباع ، فأمر لي بألف دينار ، وكسوة ، وطيب ، وقال : لا تقطعنا ، وإن لم يأتك أمرنا ، فقلت : سمعا وطاعة ، وودعته ، وانصرفت » « 2 » .
قال الحريري : « وخبره يشهد بفضيلة الأدب ومزيته ، ويرغب الراغب عنه في اقتباسه ودراسته » « 3 » . قلت : والحكايات في هذا المعنى لا سبيل إلى حصرها ، وفيما تقدم منها غنية لما اشتملت عليه من الفوائد .
هامش
( 1 ) انظر : الحكاية في طبقات الزبيدي : 91 - 92 ، مع بعض اختلاف ، وفي « درة الغواص » : 96 - 98 ، وفي النزهة : 183 - 184 مع تقديم وتأخير في نص الحكاية .
( 2 ) انظر : طبقات الزبيدي : 92 - 93 .
( 3 ) انظر : درة الغواص : 96 .