قلت : ولا يقال إن ذلك تشبيه مجازي ، لأن الأصل خلافه ، وما تقدم من صحة وقوع الخمر لغة على كل مسكر ، - هو حقيقة - يقضي بعدم الاحتياج إليه ، واللّه تعالى أعلم .
[ انفصال عجيب ] « 1 » :
لعلك تقول : كيف تحفظ العربية العقل من جانبي الوجود والعدم ، وتعود على صاحبها بتحقيق النظر ، ورسوخ القدم ، وقد زعم 96 ظ / / ابن مضاء « 2 » :
« أنهم تجاوزوا فيها المقدار ، وأفرطوا فيما قصروا عليه الإيراد والإصدار ، حتى صارت متوعرة المسالك ، واهية مباني الناظر فيها والسالك ، منحطة الحجج عن رتبة الإقناع ، بعيدة الظهور بقربها من الاستحالة والامتناع ولذلك مثل بها فقيل :
ترنو بطرف فاتن فاتر * أضعف من حجة نحوي « 3 »
وإذا أفضي فيها النظر إلى منحط هذه الصفة ، ومنع حماها بالحسام المفلول ، والقناة المتقصفة « 4 » ، فهي إلى خيال العقل أقرب ، وسلامته بها من العنقاء أغرب - فاعلم أن الأمر بعكس ما توهمت .
ففي جواب ابن خروف : « أن مجاوزة المقدار إلى حيث انتهى بهم البحث مع تحقيق النظر وفهم مقاصد العرب فهما ، أبعد فيها الناظر المدى ، كان أعظم فائدة ، وأكثر تصرفا في عجائب كتاب اللّه تعالى ، وحقيقة معانيه ، ونظمه ، وإعجازه .
وفي حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الناس أجمعين قال : « وعلى قدر ما تزيد تزاد » .
والمراد بكثير من العلل : تمرين الأذهان ، ونفوذ الخواطر كما فعل أهل الحساب فيما دققوا به ، وأكثروا من وجوه الأعمال ، وغير ذلك مما لا يحتاج
هامش
( 1 ) في « ج » : الفصل مجنيب .
( 2 ) انظر : ص : 80 من كتابه : « الرد على النحاة » .
( 3 ) البيت لابن بسام الشاعر في هجاء خاله المازني كما سيوضح ابن الأزرق في ص : 371 .
( 4 ) قصفت القناة : انكسرت ولم تبن ، اللسان - قصف - .