المؤمنين الساعة ، وعرفني الخبر وما عمله ، وما كان من المأمون ، وحيرته عند قراءة الرقعة وطول فكره ، فعلمت ما ذهب عليه منها ، قال : والقصيدة التي كتبتها إليه هي هذه :
أيا جاعل الدنيا على الدين جنة * فذل بها للدين غاو وطامع
هل العذر إلا ما اعتذرت بمثله * إليك ، لو أن العذر يرضاه سامع
إذا لم يكن قولي لديك بمسمع * ولم تر - سعيا منك - عفوا يطالع
فإني ومن قد ضر ضعفي رعيته * يرى اللّه أني فيهم لك نافع
غداة تجلى ساعيا لشتاتها * ويرد عني عن جمعها منك رادع 90 ظ / /
كمستعتب النعمان ممن وشى به * فقال : تراني ناصح الجيب « 1 » خاضع « 2 »
حملت علي ذنبه وتركته * كذي العرّ يكوى غيره وهو راتع « 3 »
كذاك يداوي الجسم مني مصححا * وذاك له جسم به الداء ناقع
فلم يشفه أني تجرعت دونه * أمر دواء طعمه متفاظع
وذو العرّ تشفيه مداواة غيره * إذا ما اكتوى عنه الصحيح المضارع « 4 »
قال : فلما دخلت على المأمون إذا هو جالس ، والقصيدة بين يديه على فخده ، وهو ينظر فيها ، فلما رآني قال : اجلس ، فجلست بين يديه فقال : أي شيء هذا الذي قد كتبته في قصيدتك ما لم يعرف من كلام العرب ؟ فقلت : وما هو يا أمير المؤمنين ؟ فإني ما كتبت إلا ما تتعارفه العرب ، وتتعامل به في لغاتها وأشعارها ! . . . فقال هذا البيت : ووضع يده على البيت الذي قلت فيه :
هامش
( 1 ) ناصح الجيب أي صادق أمين : والجيب : القلب والصدر .
( 2 ) في البيت إشارة إلى ما كان من اعتذار الشاعر النابغة إلى النعمان ومدحه ، مما سعى به مرّة بن ربيعة بن قريع ، انظر : القصيدة في الديوان : ص : 30 - 39 .
( 3 ) صدره عند النابغة :[ لكلفتني ذنب امرئ وتركته ]الديوان : 37 ، وسيأتي توضيح البيت فيما بعد مع ترجمة الشاعر .
( 4 ) المضارع : المشابه والمثيل .