بهما إنما يحصل لو كانا مقرونين بالعلم ، وإلا فهما بدونه نفاق ، والنفاق أخس المراتب ، أو تقليد ، والتقليد مذموم ، فثبت أن تسبيحهم وتقديسهم إنما كان موجبا للافتخار ببركة العلم ، ثم إن آدم - عليه السلام - إنما وقع عليه اسم المعصية لأنه أخطأ في مسألة « 1 » واحدة اجتهادية ، ولأجل هذا الخطأ القليل ، وقع فيما وقع فيه ، والشيء كلما كان الخطر فيه أكثر ، كان أشرف ، وذلك يدل على غاية جلالة العلم ، ثم إنه ببركة العلم لما تاب ، وأناب ، وترك الإصرار وجد خلعة الاجتباء « 2 » . ثم انظر إلى إبراهيم - عليه السلام - كيف اشتغل في أول أمره بطلب العلم على ما قال تعالى :
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً
« 3 » . ثم انتقل من الكوكب إلى القمر ، ومن القمر إلى الشمس ، ولم يزل ينتقل بفكره من شيء إلى شيء ، إلى أن وصل بالدليل 62 ظ / الزاهر ، والبرهان الباهر إلى المقصود ، وأعرض عن الشرك فقال :
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
« 4 » .
فلما وصل إلى هذا المقام مدحه اللّه تعالى : بأشرف المدائح ، وعظمه على أتم الوجوه فقال :
وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ
« 5 » .
ثم إنه - عليه السلام - بعد الفراغ من معرفة المبدأ اشتغل بمعرفة المعاد ، فقال :
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى
« 6 » . ثم لما فرغ من التعليم ، اشتغل بالتعليم ، والمحاجة ، تارة مع أبيه ، وتارة مع قومه :
ما هذِهِ
هامش
( 1 ) قوله تعالى :وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَسورة البقرة ، الآية : 35 .
( 2 ) من قوله تعالى :ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ، أي خصه ، واصطفاه . سورة طه ، الآية : 122 .
خلعة الاجتباء : الخلعة : ما يخلع على الإنسان ، أو خيار المال ، والاجتباء : الاختيار والاصطفاء .
( 3 ) سورة الأنعام ، الآية : 76 .
( 4 ) سورة الأنعام ، الآية : 79 .
( 5 ) سورة الأنعام ، الآية : 83 .
( 6 ) سورة البقرة ، الآية : 260 .