بالمشتغل به عن الوساوس المضنية ، ومطارح الآمال التي لا تفيد غير الهم ، وكلّ الأفكار المؤلمة للنفس ، لكان ذلك أعظم داع إليه ، فكيف وله من الفضائل ما يطول ذكره . . . ! ومن أقلها ما ذكرنا مما يحصل عليه طالب العلم .
وفي مثله أتعب ضعفاء الملوك أنفسهم ، فتشاغلوا عمّا ذكرنا بالشطرنج ، والنرد ، والخمر ، والأغاني ، وركض الخيل في طلب الصيد ، وسائر الفضول التي تعود بالمضرة في الدنيا والآخرة ، وأما بفائدة فلا ( فائدة ) « 1 » » « 2 » اه .
قلت : وكيف تبتغى الفائدة من غير طريق العلم ، وقد ثبت بالاستقراء أن كل خير في العالم لا يكتسب إلا بالعلم ، وكل شر فيه لا يكتسب أيضا إلا بالجهل ، فما هو سبب كل شر ، كيف يرجى به حصول فائدة في الدنيا أو في الآخرة ؟ !
الفضيلة التاسعة :
قال الإمام فخر الدين : « الأمور على أربعة أقسام : ما يرضاه العقل ولا ترضاه الشهوة وهو الأمراض والمكاره في الدنيا .
وما ترضاه الشهوة ولا يرضاه العقل وهو المعاصي .
وما يرضاه العقل والشهوة وهو العلم .
وما لا يرضاه العقل ولا الشهوة ، وهو الجهل .
قال : فينزل العلم من الجهل منزلة الجنة من النار . فكما أن العقل والشهوة لا يرضيان بالنار فلا يرضيان بالجهل 34 و / وكما أنهما يرضيان بالجنة يرضيان بالعلم ، فمن رضي بالجهل فقد رضي بنار حاضرة ، ومن اشتغل بالعلم فقد خاض في جنة حاضرة ، ثم من اختار العلم يقال له غدا : تعودت المقام في الجنة فادخل الجنة ، ومن اكتفى بالجهل يقال له غدا : تعودت المقام في النار فادخل النار » اه .
هامش
( 1 ) عند ابن حزم « فائدة » : ساقطة من الرسائل : 1 / 343 .
( 2 ) انظر رسائل ابن حزم : 1 / 343 .