بقوله ( ص ) أول ما خلق الله نوري فلا تنافي بين الحديثين ويعبر عنه في الشرع بعبارات مختلفة ، فهو النفس الرحماني ورحمته التي وسعت كل شيء وهو الحقيقة المحمدية وهو الاسم الأعظم إلى كثير من أمثالها .
وهذا العقل وإن كان واحداً لم يصدر إلّا عن واحد ولكنه من حيث رتبته وحقيقته متعدد الجهات والحيثيات وتعتبر فيه ثلاث جهات ، الأولى : من حيث نسبته إلى علته يعني وجوبه الغيري . الثانية : من حيث ذاته ووجوده يعني وجوده الإمكاني . الثالثة : من حيث ماهيته وحقيقته يعني ماهيته الإمكانية فتحصل فيه من هذه الجهات الثلاثة معاني متحققة واقعية الوجوب والوجود والماهية ، وبعبارة أخرى : نور ، وظل ، وظلمة . فمن حيث تعقله أو تعلقه بمبدئه صدر العقل الثاني وأفيض عليه الوجود ، ومن حيث تعقله لوجود ذاته خلقت نفس الفلك الأعلى ، ومن حيث تعقله لماهيته وحده وإمكانه وهذه الثلاث عبارة عن معنى واحد خلق جسم الفلك الأعلى ، وهكذا الكلام في العقل الثاني من حيث الجهات الثلاث والحيثيات المتقدمة . فمن الحيثية الأولى صدر العقل الثالث ومن الحيثية الثانية خلقت نفس الفلك الثاني ومن الجهة الثالثة جسم الفلك الثاني . وهلم جرّى على هذا المنوال إلى العقل العاشر الذي هو آخر العقول الكلية وهو العقل الفعال عندهم ، ومن جهة بعده عن مبدئه وضعف مرتبته وتنازل جوهره عن علته لم يستطع أن يحصل بواسطته عقل آخر ويترشح منه مجرد من سنخه . نعم بوجوده الإمكاني أفيضت هيولى العوالم العنصرية في فلك القمر وهو الفلك التاسع في قوس النزول ، وجميع ما في جوفه من الأجسام وبوجوبه الغيري ووجوده أفيضت النفوس والصور الخارجية على تلك الهيولى العامة فأثر من جهتين لا من ثلاث ، وبهذا كانت الأفلاك كلها ذات نفوس وعقول وأنها كائنات حية مدركة عالمة ، ويحملون قوله تعالى :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
على حقيقته ، وربما يوجد في الشرع دلائل أخرى على حياة الكواكب والفلكيات . ولا يسبق إلى ذهن متوهم أن مراد أولئك الحكماء الأعاظم أن أتعقل الأول هو خالق العقل الثاني وموجده وموجد الفلك الأول وخالقه فيثبتون شريكاً لله تعالى في الإيجاد والخلق تعالى عن ذلك علواً كبيرا . . . كيف ومن القواعد المتفق عليها عندهم ( أنه لا مؤثر في الوجود إلا الله )