تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دايرة المعارف النجفية — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
أما السؤال عن الأسباب التي دعت إلى غيبته فاللازم أولًا أن يعرف السائل أن الإنسان إذا عرف أن له خالقاً لم يخلقه عبثاً ولم يتركه سدى بل كلفه بتكاليف يؤهله بها للفوز والسعادة الأبدية في دار أخرى هي دار القرار ودار الجزاء ، فإذا عرف ذلك جيداً وجب عليه أن يعرف التكاليف والأحكام التي أمره الله بها ويأخذها من الحجة عليه والسفير بينه وبين الله سبحانه ولا يلزم عليه أن يعرف حكمة تلك الأحكام ومصالح تلك التكاليف ، وإن كنا نعتقد على الإجمال أن جميعها مشتملة على شرف الحكم والمصالح ، ولكن ليس كل العقول تستطيع الوصول إلى تلك الأسرار الربوبية والحكم الإلهية وهناك مراتب ومقامات حتى الأنبياء والأئمة تقف دونها ولا تستطيع الوصول بها فما ظنك بأمثالنا ، ومهما اتسعت علوم البشر واكتشافاتهم عن أسرار الطبيعة ومكنونات الخليقة والحقيقة ، اتضح لهم أن نسبة معلومات جميع البشر من أول التاريخ إلى اليوم نسبتها إلى مجهولهم نسبة القطر إلى البحر بل أقل بكثير ، قيل لأفلاطون عند قرب موته ما تقول في الدنيا قال ما أقول في دار جئتها مضطراً وسأخرج منها مكرهاً وبقيت فيها متحيراً ولم أستفد من جميع علمي سوى أنني لا أعلم ، ولجميع أكابر الحكماء من أسلام وغيرهم الكثير من أمثال هذه الكلمات ، والشافعي يقول كلما ازداد علماً ، زادني علماً بجهلي ، والفخر الرازي يقول من أبيات له نهاية ادراك العقول :
عقال وغاية سعي العالمين ضلال * وكفاك شاهداً على ضعف الإنسان
وقصور مدراكه مهما كان قصة موسى مع الخضر مع أن موسى ( ع ) كان يومئذ نبياً ولله كليماً ومع ذلك عجز عن معرفة أسرار أمور جزئية كخرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار ، فما ظنك بأسرار الأحكام الكلية والنواميس الإلهية فإذا قامت الأدلة القطعية عقلية ونقلية على وجود إمام يتردد في الأمصار ولكنه غائب عن الأبصار وجب الالتزام بذلك ولا يجب علينا أن نعرف أسباب غيبته ومتى يظهر وكيف يظهر ولماذا لا يظهر الآن ، وقد نشأ الجور والعدوان فإن كل هذه الأسئلة عبث وفضول ، وتلك أسرار تعجز عنها العقول ، روى الصدوق عن عبد الله بن الفضل الهاشمي ( رحمه الله ) قال سمعت الصادق ( ع ) يقول أن لصاحب هذا الأمر غيبة لا بد منها يرتاب منها كل مبطل فقلت ولِمَ جُعلت فداك قال لأمرٍ لم يؤذن لنا في كشفه