طرح أبو قلابة « 1 » لجليس له وسادة ، فردّها فقال له : أما سمعت الحديث :
« لا تردنّ على أخيك كرامته » .
قال ابن شبرمة « 2 » لابنه : يا بنىّ ! إياك وطول المجالسة ، فإنّ الأسد إنما يجترئ عليها من أدام النظر إليها .
وهذا عندي مأخوذ من قول أردشير « 3 » لابنه : يا بنىّ لا تمكّن الناس من نفسك فإن أجرأ النّاس على السّباع ، أكثرهم لها معاينة . ومن هذا - واللّه أعلم - أخذ ابن المعتزّ قوله « 4 » :
رأيت حياة المرء ترخص قدره * فإن مات أغلته المنايا الطّوائح
كما يخلق الثّوب الجديد ابتذاله * كذا تخلق المرء العيون اللّوامح
« 5 » ومن سوء الأدب في المجالسة : أن تقطع على جليسك حديثه ، أو تبدره إلى تمام ما ابتدأ به منه خبرا كان أو شعرا ، تتمّ له البيت الذي بدأ به ، تريه أنك أحفظ له منه . فهذا غاية في سوء المجالسة ، بل يجب أن تصغى إليه كأنك لم تسمعه قط إلّا منه « 5 » .
قيل لداود الطّائىّ « 6 » : لم تركت مجالسة النّاس ؟ قال : ما بقي إلّا كبير يتحفّظ عليك ، أو صغير لا يوقّرك .
هامش
( 1 ) هو : عبد اللّه بن يزيد بن عمرو ، أبو قلابة الجرمي ، عالم بالقضاء والأحكام ، من أهل البصرة ، توفى سنة 104 ه . انظر تهذيب التهذيب 5 / 224 ، شذرات الذهب 1 / 126 .
( 2 ) ابن شبرمة : عبد اللّه بن شبرمة الضبي ، تولى قضاء السواد لأبى جعفر المنصور ، وكان عفيفا صارما .
عاقلا جوادا ، ثقة قليل الحديث ، توفى سنة 144 ه . انظر شذرات الذهب 1 / 215 ، تهذيب التهذيب 5 / 250 .
( 3 ) ب : الأشتر .
( 4 ) ورد البيت الثاني فقط في الديوان 29 ، وفيه : فما بدل كما ، وانظرهما معا في التمثيل والمحاضرة 167 .
( 5 ) ساقطة من ب .
( 6 ) أبو سليمان بن نصير الطائي الكوفي ، من أكابر الزهاد ، وخيار التابعين ، توفى سنة 165 ه ، انظر تاريخ بغداد 8 / 347 ، وفيات الأعيان 1 / 177 .