ومن المصادفات الغريبة أن يموت في نفس العام الخطيب البغدادي ، المؤرخ والمحدث المشهور وكان يعرف بحافظ المشرق ، فيقول الناس : مات حافظا المشرق والمغرب في سنة واحدة .
شخصيته وأخلاقه :
لعل أهم ما كان يمتاز به أبو عمر - رحمه اللّه - هو الدأب في طلب العلم والانقطاع إليه ، وصرف النظر عما عدا ذلك من أمور الدنيا ومغرياتها ، وحسبه منها أن تترك له مكانا آمنا وملاذا مستقرا ، يفرغ فيه إلى التقييد والتأليف ، أو يلتقى فيه بتلاميذه وراغبى علمه فإن توفر له ذلك فهو قادر على إعطاء الناس من جهده الدائب وعمله النشيط ، مالا يرجو عليه إلا ثواب اللّه وحسن مكافأته ، وهو في هذه الناحية يكاد يرتفع إلى مرتبة الأنبياء الذين عناهم الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله : « علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل » .
ويذكر المؤرخون أنه كان : دينا صيتا حجة ثبتا ، ولعل ذلك من صفات يؤدى إلى صفات أخرى أهمها : طيبة القلب ، وتحرى الصدق ، وطهارة اليد والضمير ، وهي في مجموعها الصفات التي تغلب على من يشتغلون بحديث الرسول الكريم ، وليس أحق من أبى عمر بالاتصاف بها فقد كان شيخ حفاظ الحديث ومن أعظم من أنجبته الأندلس من رجالها فيه .
ولكن إذا كانت هذه الصفات في مضمونها تحمل كثيرا من معنى المسالمة والموادعة ، فإنها في الحقيقة لا تعنى التفريط في الكرامة ، أو الاستهانة بقدر العلم .
وهذا ما كان يؤمن به أبو عمر ، ويحرص عليه طول حياته ، إذ كان مع ما يمتاز به من دماثة في الخلق ، من أشد الناس حفاظا على كرامته ، ومعرفة بقدر العلم ومكانته .
أما احترام العلم في مفهومه ، فقد كان يعنى أن يجعل الجهد فيه خالصا للّه ، موجها إلى التماس مرضاته .
وثمة حادثة تبين حرصه الشديد على التمسك بهذا المفهوم ، فالمعروف أنه قضى مدة طويلة