تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهجة المجالس وأنس المجالس — صفحة 15

مساهمون:

ص١٥
ولكن هذا الأمر في الواقع مجرد فرض ، فنحن لا نعرف حادثة واحدة وقعت بين أبى عمر وبين إقبال الدولة تدل على قطيعة أو جفاء ، ولكننا فحسب نحاول استنتاج الأسباب التي دفعت أبا عمر إلى ترك مستقره في أنصى شرق الأندلس والهجرة إلى أقصى غربها ، وربما أمكننا القول بأن الحالة القلقة لدول ملوك الطوائف في الأندلس عموما كانت تعكس ظلالها على نفوس الأدباء والعلماء ، فتجعلهم دائما يبحثون عن المكان الأكثر استقرارا والأشد طمأنينة ، وبالنسبة لأبى عمر خاصة فإن التجربة المريرة التي عاشها في قرطبة أثناء الفتنة البربرية تجعله أكثر حساسية من غيره في هذا الصدد . لهذا لا نستبعد أن يكون قد قدر في نفسه أن دانية يحكمها حدث صغير تحيط به الأعداء من كل جانب « 1 » على حين تقوم في بطليوس دولة في طور التكوين يتولى أمرها حاكم يتصف بالحزم والشجاعة ، فاحتمالات المستقبل بالنسبة لها أكبر وأفضل ، ولهذا فهو يقرر الهجرة إليها . ويبدو أن أبا عمر قد استقبل في بطليوس استقبالا كريما ، وعرف له المظفر مكانته وفضله فولاه قضاء الأشبونة وشنترين وهما من أكبر مدن الأندلس ، ولكننا لا نعرف بدء تاريخ توليه هذا المنصب ، ولا المدة التي قضاها فيه ، وإن كنا نرجح - بناء على ما كانت تتميز به طبيعة أبى عمر من هدوء وحب للاستقرار - أنه قضى فيه زمنا طويلا ، استمر حتى وفاة المظفر سنة 460 ه . أما الأعوام القليلة الباقية من عمره ، فقد قضاها متنقلا في بلاد شرق الأندلس التي أحبها طول حياته ، فكان يتردد بين دانية وبلنسية وشاطبة ، وهذه الأخيرة مات فيها عام 463 ه « 2 » بالغا من العمر خمسة وتسعين عاما وخمسة أيام .
هامش
( 1 ) سقطت دانية سنة 468 ه في يد المقتدر بن هود ، واضطر علي بن مجاهد إلى الرحيل عنها إلى سرقسطة وأقام بها إلى أن توفى سنة 474 ه . ( 2 ) ذكر الحميدي في الجذوة وتابعه صاحب البغية ، أن ابن عبد البر توفى سنة 460 ه ، وليس هذا صحيحا فقد ورد في كل المراجع الأخرى سنة وفاته التي ذكرناها بالتحديد ، ولعل خطأ الحميدي راجع إلى أنه كان في بغداد آنذاك ، وهو نفسه لا يورد كلامه بصيغة اليقين ، إذ يقول : بلغتني وفاته سنة 460 ، أقول : ثم إن الخطيب البغدادي الذي توفى هو وأبو عمر في سنة واحدة ، توفى سنة 463 بلا خلاف .
بهجة المجالس وأنس المجالس — صفحة 15 | يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر ) / محمد مرسى الخولي