في دانية ، في رعاية أميرها مجاهد العامري وكان مما يؤثر عن مجاهد أنه كان يميل كثيرا إلى ذكر اسمه في مقدمات مؤلفات العلماء باعتباره المشجع على تأليفها ، الحاث على إخراجها ، ولقد ذكره ابن سيده في مقدمة كتابيه « المحكم » و « المخصص » ، ولا شك أن غيره ممن كانوا يظفرون بإكرام الأمير ورعايته فعل ذلك أيضا . وتدل قصة ذكرها ابن حزم في رسالته التي أشرنا إليها قبل « في فضل علماء الأندلس » على مبلغ الحرص الشديد لدى مجاهد في هذه الناحية ، يقول ابن حزم : وهاهنا قصة لا ينبغي أن تخلو رسالتنا عنها وهي : أن أبا الوليد عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه المعروف بابن الفرضي ، حدثني أن أبا الجيش مجاهدا العامري ، صاحب الجزائر ودانية ، وجه إلى أبى غالب « 1 » - أيام غلبته على مرسية - وأبو غالب ساكن بها ، ألف دينار أندلسية على أن يزيد في ترجمة الكتاب المذكور « مما ألفه تمام بن غالب لأبى الجيش مجاهد » فرد الدنانير ، وأبى من ذلك . ولم يفتح في ذلك بابا البتة ، وقال : « واللّه لو بذل لي الدنيا على ذلك ما فعلت ، ولا استجزت الكذب ، لأنى لم أجمعه له خاصة بل لكل طالب عامة » .
وكذلك كان أبو عمر ، إذا لم نر له ، والثابت أنه ألف معظم كتبه ، والهامة منها بصفة خاصة في دانية . كتابا واحدا يرد فيها ذكر مجاهد أو الإشارة إليه .
قد تكون هناك بعض الكتب والرسائل الصغيرة مما لم يصل إلينا من مؤلفات ابن عبد البر قد جاء فيها ذكر ذلك الأمير ، ولكننا لا نعتقد أن هذا - إن كان قد وقع - مما يمكن أن يقنع به مجاهد . أو حتى يشرف به . باعتباره عملا كبيرا أشار بتنفيذه . والغالب أن هذا كان مبدأ أبى عمر فما لم يفعله في الكبيرة لم يفعله في الصغيرة . وبين أيدينا ثلاثة من كتبه الصغيرة التي طبعت وهي : القصد والأمم في التعريف بأصول أنساب العرب والعجم ، والإنباه على قبائل الرواة ، والانتقاء في فضائل الثلاثة الفقهاء . ليس فيها ذكر أحد . وكذلك كتبه الكبيرة كالتمهيد والاستيعاب وبهجة المجالس لا نرى فيها إلا ذكر اللّه وحده ، والتقرب بها إلى مرضاته .
هامش
( 1 ) هو تمام بن غالب المعروف بابن التيانى ، أبو غالب المرسى ، ترجمته في الجذوة 172 البغية 236 ، أما هذا الكتاب المذكور في الخبر فهو كتابه « الموعب » في اللغة .