وكما وقر أبو عمر العلم ، وترفع به عن أن يكون مقصودا به غير وجه اللّه ، كذلك وقره العلم وكرمه ، ورفع من شأنه بين العامة والخاصة ، فكان مهابا حتى بين أيدي الطغاة والجبابرة .
ولقد حدث أن وصل ابن لأبى عمر وهو المعروف بأبى محمد بن عبد البر « 1 » إلى مرتبة الوزارة في إشبيلية لدى ملكها المعتضد بن عباد « 2 » ، وكان المعتضد ممن عرفوا بالسطوة والتجبر حتى ليقال إنه جعل في حديقة قصره أعمدة على هيئة الأشجار طلعها رؤوس أعدائه وأوراقها آذانهم ، وقد حدث أن غضب المعتضد على كاتبه ووزيره أبى محمد بن عبد البر ، وأمر بإلقائه في غياهب سجنه .
ويذكر ابن الأبار هذه الحادثة ثم يقول : « سمعت بعض شيوخى يحكى أن أباه الإمام أبا عمر بن عبد البر سار في أمره من مستقره بشرق الأندلس ، وهو حينئذ يتردد بين بلنسية وشاطبة فلأوّل دخوله على عباد نادى رافعا صوته : ابني يا معتضد ، ابني يا معتضد . فشفعه فيه وانصرفا عنه محفوفين بالإكرام ، ومكنوفين بالاحترام » « 3 » .
ولا شك أن ذلك العفو السريع ، ما كان لينتزع من بين فكى المعتضد ، لولا هيبة العلم ووقار الورع ، قد أجبرا الطاغية على الرضوخ لهما ، والاستسلام العاجل لأمرهما .
شيوخه :
امتازت ثقافة أبى عمر بالأصالة والعمق وكثرة تنوعها ووفرة مصادرها ، ويبدو هذا واضحا في مؤلفاته العديدة التي تمتاز من حيث موضوعاتها بالإحاطة والشمول ، كما تمتاز من حيث المادة بالوفرة والدسامة ، حتى لنحس عند قراءتها بأن المؤلف يستمد ما يذكره فيها من معين لا ينضب من رواياته وسماعاته ، وبأنه لا يتكلف جهدا كبيرا في الإحاطة بموضوعه ، وطرق جوانبه المتعددة في سهولة ويسر .
هامش
( 1 ) ترجمته في الجذوة 249 .
( 2 ) ترجمته في البيان المغرب 3 / 204 ، وفيات الأعيان 2 / 28 ، شذرات الذهب 1 / 316 ، جذوة المقتبس 277 .
( 3 ) إعتاب الكتاب لابن الأبار 221 .