لهذا ليس غريبا أن تصادف دانية ، من بين دول الأندلس جميعا . هوى قويا من نفس أبى عمر بن عبد البر ، فيذهب إليها ويلقى بها عصا الترحال ، وقد وجد أخيرا المكان الذي حلم به مستقرا وملاذا .
ابن عبد البر في دانية :
تعد الفترة التي قضاها أبو عمر في دانية من أخصب فترات حياته إنتاجا ، ففيها ألف معظم كتبه المطولة التي اشتهر بها ، وتدلنا رسالة ابن حزم التي كتبها « 1 » في فضل الأندلس وذكر رجالها ، وهي رسالة كتبت نحو سنة 412 ه . على ما كان يتمتع به أبو عمر في ذلك الوقت من شهرة وما تحتله كتبه من مكانه ، فيقول : « ومنها كتاب التمهيد لصاحبنا أبى عمر يوسف ابن عبد البر ، وهو الآن بعد في الحياة لم يبلغ سن الشيخوخة ، وهو كتاب لا أعلم في فقه الحديث مثله أصلا فكيف أحسن منه ، ومنها كتاب الاستذكار وهو اختصار التمهيد المذكور ، ولصاحبنا أبى عمر بن عبد البر المذكور كتب لا مثيل لها منها : كتابه المسمى الكافي في الفقه على مذهب مالك وأصحابه ، خمسة عشر جزءا ، وكتابه في الصحابة ، والاكتفا ، ثم بهجة المجالس ، وجامع بيان العلم . . . » .
وليست هذه بالطبع كل مؤلفات أبى عمر ، ولكنها تكاد تكون أهمها كلها . وهي كما قلنا التي قامت عليها أساسا شهرة أبى عمر في كل أرجاء الأندلس . وجعلت طلبة العلم يهرعون إلى دانية للتلقى عن الحافظ الكبير والسماع عليه ، حتى كان سنده مما يتفاخر به بينهم .
ويمكننا أن نقول إن أبا عمر أحس بالسعادة الحقة في دانية . وبادل أهلها حبا بحب . حتى إن الظروف حينما دعته بعد ذلك إلى الرحيل عنها - كما سنبين فيما بعد أبي بعد انتهاء هذه الظروف إلا أن يقضى شيخوخته يتردد بين دانية وما جاورها من المدن القريبة منها وحتى إنه تحقيقا لهوى أهل دانية وحب أهلها لعلوم القرآن . ألف في القراءات أربع كتب لا بأس من من ذكرها وهي :
هامش
( 1 ) انظر هذه الرسالة في نفح الطيب 2 / 767 ، تاريخ الأدب الأندلسي ( عصر سيادة قرطبة ) الدكتور إحسان عباس 291 .