والواقع أن ذلك لم يتأت لأبى عمر إلا نتيجة لجهده المتواصل في التلقي عن العلماء والدأب الذي لا يكل في القراءة والاطلاع .
وثمة ناحية معروفة شهيرة في حياة ابن عبد البر ، وهي أنه لم يرحل إلى المشرق في طلب العلم كعادة العلماء الأندلسيين ، مع أن هذه الرحلة كانت مما يرفع من شأن العالم بين أقرانه ويجعل له بينهم منزلة خاصة ، والواقع أننا لا نعرف أية ظروف حالت بينه وبين ذلك ، وإن كان يمكننا أن نؤكد أنها ظروف خارجة عن إرادته ، إذ أن الرجل عاش طول حياته بعد ذلك يعوض ما اعتبره نقصا فيه ، وذلك بالحرص على مقابلة من رحل إلى المشرق من العلماء ، والتلقي عنهم ما استمعوا إليه من علم ، وتلك ظاهرة واضحة تمام الوضوح ، تكفى النظرة العاجلة إلى كتاب جذوة المقتبس للحميدي ، لإثبات صحتها ، فقد ذكر الحميدي عددا كبيرا من تراجم العلماء الذين رحلوا إلى المشرق ، والعجيب أنه لا تكاد تخلو ترجمة منها عن ذكر : أن أبا عمر استمع على صاحبها ، وقرأ عليه كتاب كذا وكذا من المؤلفات المشرقية .
وهكذا فإن ما اعتبره أبو عمر نقصا وشرا بالنسبة إليه ، كان في الحقيقة خيرا وبركة ، إذ أنه حرص على تقييد ما تلقاه وإثباته في مؤلفاته ، ربما أكثر من حرص هؤلاء العلماء أنفسهم على تقييده وإثباته .
وعلى أية حال ، فأمامنا الآن جملة وافرة من شيوخ أبى عمر ، يمكن أن نقسمهم إلى قسمين :
1 - الشيوخ الذين تلقى عنهم في نشأته ، ولازمهم ملازمة طويلة ، وكان لهم أثر في تحديد اتجاهه العلمي في المستقبل .
2 - الشيوخ الذين تلقى عنهم لفترة من الوقت ، وكانت تتوفر فيهم خاصة صفة الرحيل إلى المشرق .
أما القسم الأوّل من العلماء ، فمنهم :
1 - عبد اللّه بن محمد يوسف ، المعروف بابن الفرضي ، أبو الوليد القاضي ، صاحب تاريخ
بهجة المجالس وأنس المجالس — صفحة 19
مساهمون: يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )
ص١٩