أوصالها والاستقلال بأجزائها ، ذهب مجاهد بجمع من موالى العامريين إلى شرق الأندلس ، فاستولى على دانية وما والاها من جزائر : ميورقة ومنورقة ويابسة عام 406 أو 407 ه .
وحين استقرت به الحال في الدولة الجديدة ، تطلع به طموحه إلى جزيرة سردانية القريبة منه ، وسرعان ما هاجمها وضمها إلى ملكه ثم جعلها قصبة بلاده ، ولكن ملوك ألمانيا وإيطاليا خشوا خطورة هذا المغامر الجرىء الذي أصبح على مرمى حجر من قلب بلادهم فوجهوا إليه الجيوش والأساطيل تكيل له الضربات الساحقة في وحشية وعنف حتى أفلتتها من يده في موقعة بالغة الضراوة ، عاكست فيها الرياح أسطوله ودفعته دفعا إلى أيدي أعدائه فنجا هو من القتل بشق النفس ، على حين أسر أولاده وبعض نسائه ولم يستطع افتداءهم إلا بعد فترة طويلة من الزمن .
بعد هذه المغامرة الفاشلة لم يفكر مجاهد مرة أخرى في الغزو ، بل اتجه بكليته إلى إمارته يصلح من أمورها ويعنى بشئونها ، حتى أصبحت تتمتع بقسط وافر من الأمن والرخاء والاستقرار دام نحوا من ثلاثين عاما ، حتى وقت وفاته سنة 436 ه .
ولعل أهم ما كان يمتاز به مجاهد إلى جانب كفاءته الإدارية وشجاعته ، هو حبه الشديد للعلم والعلماء ، ويذكر المؤرخون عنه أنه كان ذا دراية بعلوم العربية ، وتصرف في علوم القرآن :
قراءته ومعانيه وغريبه ، عنى بطلب ذلك من صباه إلى اكتهاله وجمع من الكتب ما لم يجمعه أحد من نظرائه ، وأتت إليه العلماء من كل صقع ، فاجتمع لديه جملة من مشيختهم ومشهور طبقاتهم ، فكان وزيره والمتصرف في دولته أبو العباس أحمد بن رشيق الكاتب « 1 » إلى جانب بعض أمثال العلماء كأبى عمرو الداني « 2 » وابن سيده « 3 » وكان له من المصنفين عدة يقومون على التصنيف في علوم القرآن خاصة ويشاركون في فنون أخرى من العلم ، يجملون بها ملكه ويشرّفون دولته ، حتى اشتهرت دانية آنذاك بأن أهلها أقرأ الناس للقرآن ، وأكثرهم معرفة بعلومه « 4 » .
هامش
( 1 ) انظر ترجمته في : جذوة المقتبس 114 ، بغية الملتمس 166 ، وليس هو بالطبع أبا الحسن بن رشيق القيرواني صاحب العمدة .
( 2 ) عثمان بن سعيد بن عمر الداني ، عالم القراءات الكبير ؛ ترجمته في نفح الطيب 1 / 386 ، معجم الأدباء 5 / 36 .
( 3 ) علي بن إسماعيل بن سيده ، صاحب المخصص والمحكم ، ترجمته في بغية الملتمس 405 ، وفيات الأعيان 1 / 342 .
( 4 ) معجم البلدان لياقوت ، ط بيروت ، مادة دانية .