هذا إلى جانب أن بلاد الأندلس نفسها - بعد انفراط عقد الخلافة الأموية ، وزوال أسرة المنصور بن أبي عامر ، كانت قد فقدت وحدتها ، وأخذت تفور بالفتنة والقلاقل وقد أخذ كل وال يستقل بما تحت يده من ولايات ، ويحارب جيرانه من حكام الولايات الأخرى إما طمعا فيما تحت أيديهم ، أو درءا لأطماع غيره فيه ، فلم يكن هناك - والحالة هذه - مكان يمكن أن يلجأ اليه هو أفضل من غيره .
وأخذ أبو عمر في هذه الفترة يحول في بلاد غرب الأندلس ؛ مستغلا جولته الاضطرارية هذه في الاستماع إلى علماء هذا البلاد والآخذ عنهم ، ومن بينهم خاصة من أتيحت له فرصة الذهاب إلى المشرق والتلقي عن أساتذته ، وقد لقى من هؤلاء كثيرين يذكرهم الحميدي في ترجمته في جذوة المقتبس .
وعلى الرغم من أن هذه الفترة من حياته ، والتي تعتقد أنها كانت قريبة من عشر سنوات كانت فترة غنية حقا بما أخذه عن هؤلاء العلماء ، إلا أنها كانت من جهة أخرى كافية لحياة التجول وعدم الاستقرار التي يحياها ، ومن هنا أخذ أبو عمر يتطلع من حوله إلى الدويلات الكثيرة التي ملأت رقعة الأندلس ، فلم ير دولة هي أحق بالاستقرار وكفالة حياة هادئة لمن يريد خيرا من دانية التي تقع في أقصى شرق الأندلس ، والتي يحكمها أمير حازم شجاع ، يحترم العلم ويقرب العلماء ، هو الأمير مجاهد العامري .
صاحب دانية : مجاهد العامري « 1 » :
كان أبو الجيش مجاهد بن عبد اللّه العامري مولى روميا من موالى عبد الرحمن الناصر ابن المنصور محمد بن أبي عامر ، ولكنه كان متحليا بالعلم والشجاعة والإقدام ، وحين انتهى أمر الدولة العامرية ودبت الفرقة وعوامل الانحلال في جسم الدولة ، وسارع كل حاكم إلى تقطيع
هامش
( 1 ) اعتمدنا فيما كتبناه هنا عنه ، على : جذوة المقتبس 331 ، بغية الملتمس 457 ، البيان المغرب 3 / 155 ، مقدمة التحقيق لكتاب المحكم لابن سيدة .