تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهجة المجالس وأنس المجالس — صفحة 10

مساهمون:

ص١٠
كانت كلها شدادا نكدات ، صعابا مشئومات ، كريهات المبدأ والفاتحة ، قبيحة المنتهى والخاتمة لم يعدم فيها حيف ، ولا فورق خوف ، ولا تم سرور ، ولا فقد محذور ، مع تغير السيرة وخرق الهيبة ، واشتعال الفتنة واعتلاء المعصية ، وطعن الأمن وحلول المخافة « 1 » » . ومن الطبيعي أن يعيش الناس هذه السنوات في هلع دائم ورعب متصل ، فقد كان البربر خلالها يترصدون الحرم والدور بالهتك والسلب ، ولقد بلغ من إشفاق الناس يومئذ أنهم استفتوا شيوخ المالكية في تعجيل صلاة العتمة قبل وقتها خوفا من القتل ، إذ كان متلصصة البربر يقفون لهم في الظلام في طرق المسجد فربما آذوهم إيذاء شديدا « 2 » . وقد قضت هذه الفتنة على كثير من العلماء والأدباء بالموت والتشريد ويكفى أن نلقى نظرة على كتاب الصلة لابن بشكوال حتى نجد فيه الكثير ممن ترجم لهم من العلماء : إما قتلوا في الفتنة أو آثروا الهجرة إلى المدن الأندلسية الأخرى . ولقد كان من بين هؤلاء المهاجرين ، أبو عمر بن عبد البر ، الذي اضطر تحت هول ما رآه من حوادث إلى ترك بلده الحبيبة ومرتع صباه ، خصوصا وقد أثر في نفسه قتل أستاذه الكبير وصديقه العظيم : أبى الوليد بن الفرضي مظلوما في بيته بيد البربر الذين لم يرعوا للرجل علمه ومكانته ، أو يرحموا فيه ضعفه وشيخوخته « 3 » .

تجوله في بلاد الأندلس :

خرج أبو عمر من قرطبة مهاجرا - أو على الأصح - هاربا إلى غيرها من بلاد الأندلس ويبدو أنه في خروجه ذاك لم يكن يقصد بلدة بعينها ، إذ لم تترك له الحوادث الرهيبة التي خلفها وراءه فرصة للتفكير أو الاختيار .
هامش
( 1 ) الذخيرة 1 / 1 ، 25 . ( 2 ) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم 3 / 67 . ( 3 ) انظر قصة استشهاد هذا العالم في جذوة المقتبس : 238 ، بغية الملتمس 321 ، وفيات الأعيان 1 / 268 .