أما حوادث هذه الفتنة « 1 » ، فقد بدأت عندما أراد محمد بن هشام بن عبد الجبار الأموي الملقب بالمهدى « 2 » ، أن يتخلص من الدولة العامرية ، وكان العامريون قد تولوا زمام السلطة الفعلية طوال أيام الخليفة المستضعف هشام المؤيد ، وفعلا نجح المهدى نجاحا مؤقتا ، وقتل عبد الرحمن بن أبي عمر الملقب بشنجول ، والذي ادعى أنه ولى عهد الخليفة هشام المؤيد ، ثم تسلم المهدى السلطة ، ولكنه لم يكد يستقر فيها حتى نازعه أموي آخر هو سليمان المستعين « 3 » الذي تزعم البربر ، وقصد أن ينتزع الخلافة من المهدى ، واجتمع البربر مع سليمان لمحاربة قرطبة ونزلوا بسفح الجبل بها وبشرقيها في ( 11 ربيع الأوّل سنة 400 ه ) وعلى الرغم من خروج أهل قرطبة عن بكرة أبيهم للقتال ، واستبسالهم في الذود عنها ، إلا أنها سقطت في أيدي البربر ، الذين أجروا فيها على الفور مذبحة رهيبة ، راح ضحيتها الآلاف من الضحايا الأبرياء .
لكن المهدى أبى أن يستسلم لهذه النتيجة ، فهرب إلى طليطلة وجمع جموعا من الإفرنجة وعساكر الثغور ، وعاد إلى مهاجمة قرطبة ، وفعلا تمكن من الاستيلاء عليها بعد شدائد وأهوال ، إلا أنه للمرة الثانية يعثر به حظه ، فيختلف عليه جنده ، ثم يتخلصون منه بالقتل ، ويصبح الجو خاليا لسليمان المستعين ، فيدخل المدينة دخول الظافر المنتصر .
إلى هنا ويمكن أن تستقر الأحوال وتهدأ الأمور ، فقد تم لسليمان تحقيق أطماعه شخصيا بتولى الخلافة ، ثم تحقيق آمال الكثيرين ممن كانوا يهوون عودة الأسرة الأموية إلى الحكم .
لكن سليمان في الحقيقة لم تكن فيه صفة واحدة من صفات الكفاءة التي كان يتمتع بها معظم الخلفاء الأمويين ، فاكتفى بتحقيق ملذاته هو . ثم ترك لجنده من البربر أن يفعلوا بالمدينة ما يحلو لهم من نهب وسلب واعتداء على الحرمات بشكل لم يسبق له مثيل .
وقد استمر هذا الوضع الشاذ سبع سنوات ، يصفها مؤرخ الأندلس ابن حيان « 4 » ، بأنها :
هامش
( 1 ) أنقل هنا بتصرف عن كتاب : تاريخ الأدب الأندلسي ( عصر سيادة قرطبة ) للدكتور إحسان عباس .
( 2 ) ترجمته في : جذوة المقتبس 18 ، المعجب في تلخيص أخبار المغرب 40 ، البيان المغرب 3 / 50 .
( 3 ) هو سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر ، ترجمته في جذوة المقتبس 19 ، الذخيرة 1 / 1 / 24 .
( 4 ) هو حيان من خلف بن حسين بن حيان الأندلسي ، صاحب كتاب « المقتبس في تاريخ الأندلس » ترجمته في جذوة المقتبس 188 ، وفيات الأعيان 1 / 168 .