تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهجة المجالس وأنس المجالس — صفحة 8

مساهمون:

ص٨

المؤلف : مولده ، ونشأته :

في الرابع والعشرين من ربيع الآخر سنة 368 ه وعلى وجه التحديد ، وقت صلاة الجمعة والإمام يخطب على المنبر ، ولد أبو عمر لأب كان فقيها من فقهاء قرطبة ، ولم يقدر لذلك الشيخ أن تطول به الحياة حتى يرى ولده فتى رائعا أو شابا مكتملا ، إذ مات في عام 380 ه وابنه لم يتعد الثانية عشرة من عمره . وقد نشأ أبو عمر في قرطبة ، وإن كنا لا نعلم شيئا عمن كفله بعد وفاة والده ، كما لا نعلم أيضا إن كان قد ترك له ذلك الوالد شيئا من حطام الدنيا ، ولكننا نعلم يقينا أنه تلقى تعليما ممتازا على أيدي جلة من علماء عصره ، وبرز وتفوق ، واستوعب كثيرا من علوم الفقه والحديث والتاريخ والأدب وغيرها ، في بلده قرطبة ، أعظم المدن الأندلسية في ذلك الوقت وأحفلها بالمكتبات والعلماء . وحينما بلغ أبو عمر الثلاثين من عمره أو نحوها ، كان المفروض أن يحتل مكانة أبيه : فقيها من فقهاء قرطبة وشيخا من شيوخها ، ولكن حدث فجأة ما حرمه من هذه المكانة المنشودة والأمل المرتقب . إذ في تلك الفترة عينها - أواخر عام 399 ه - حدث ما يسمى في تاريخ قرطبة بالفتنة البربرية ، والتي كانت حوادثها من القسوة والهمجية بحيث دفعته كما دفعت غيره من العلماء وجمهرة الناس إلى الرحيل العاجل عن المدينة .

الفتنة البربرية :

يشير المؤرخون إشارة موجزة في ترجمة ابن عبد البر ، إلى أن الفتنة هي السبب الذي دفعه إلى الهجرة من قرطبة ، ثم لا يزيدون على كلمة « الفتنة » شيئا من تفصيل وإيضاح ، ولكننا نرى من تمام البحث أن نتكلم بشئ من التفصيل عن هذه الفتنة وآثارها ، حتى تكتمل أمامنا صورة واضحة المعالم للأحداث التي مرت بالرجل ، ونالت منه ومن أقرب المقربين إليه .