تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإعجاز البياني للقرآن — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
وبهذه الخصوصية في الدلالة المعنوية للفؤاد ، جاء اللفظ مفردا وجمعا ست عشرة مرة في القرآن الكريم ، ليس فيها ما يحمل على معنى الجارحة . والقلب ، وإن جاء في القرآن في المعنويات كذلك من الاطمئنان والسكينة والرحمة والتآلف والخشوع والوجل والفقه والطهر ، ومع الارتياب والتقلب والخوف والاشمئزاز والقسوة والتكبر والجبروت والزيغ والمرض والإثم والغفلة والعمى ، إلا أن العربية ، لغة القرآن ، لا تستعمل غير القلب في الدلالة الأصلية على هذا العضو من الجسم . وإذن يكون لإيثار الأفئدة على القلوب في آية الهمزة ، مع الملحظ البلاغي من النسق اللفظي والجرس الصوتي ، مقتضاه المعنوي البياني ، في تخليص الأفئدة من حس العضوية التي يحتملها لفظ القلوب فيما ألف العرب من لغتهم . ولا نزال نستعمل القلب بمعناه العضوي في التشريح والطب وأصناف اللحوم ، ولا نستعمل الفؤاد بهذه الدلالة على الإطلاق . وكذلك لا تترادف مؤصدة ومغلقة ، ليقال باحتمال العدول عن أولهما إلى الأخرى رعاية للفاصلة . بل يتميز الإيصاد بخصوصية الدلالة على إحكام الإغلاق وقوة تحصينه ، والعربية استعملت « الوصيد » للبيت الحصين يتّخذ من حجارة في الجبال ، وتقول : استوصد في الجبل ، أي اتخذ فيه حظيرة من حجارة . وبمثل هذا المعنى من الإيصاد المحكم ، جاءت آية البلد :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ * عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ
ولا رعاية فيها لفاصلة لفظية ، بل المعنى من إطباق النار على أصحاب المشأمة وإحكام إيصادها ، هو ما تعلق به البيان الأعلى ، واللّه أعلم . * * *
الإعجاز البياني للقرآن — صفحة 276 | عائشة عبد الرحمن ( بنت الشاطئ )