وبين التكاثر . ويحس البلاغيون ، ونحس معهم ، نسق الإيقاع بها وانسجام الجرس .
لكن وراء هذا الملحظ البلاغي في النسق اللفظي ، ملحظا بيانيّا اقتضاه المعنى :
فالمقابر جميع مقبرة ، وهي مجتمع القبور . واستعمالها هنا هو الملائم معنويّا لهذا التكاثر ، دلالة على مصير ما يتكالب عليه المتكاثرون في حطام الدنيا . . هناك حيث مجتمع الموتى ومحتشد الرمم على اختلاف الأعمار والأجيال والطبقات . وهذه الدلالة من السعة والعموم والشمول ، لا يمكن أن يقوم بها لفظ القبور جمع قبر .
فبقدر ما بين قبر ومقبرة من تفاوت ، يتجلى البيان القرآني في إيثار المقابر على القبور ، حين يتحدث عن غاية ما يتكاثر فيها المتكاثرون على مرّ العصور والأجيال . . .
* * * ومما قالوا فيه برعاية الفاصلة ، آيات الهمزة :
نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ * إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ
على القول بأن الأفئدة في معنى القلوب ، وعدل إليها للمشاكلة بين رؤوس الآيات .
ولا تترادف الأفئدة والقلوب في حس العربية المرهف ، ليقال فيهما برعاية الفاصلة . بل يطلق القلب بدلالة عامة على الجهاز العضوي من أجهزة الجسم ، وعلى موضع الشعور والأهواء والعقيدة والوجدان .
وأما الفؤاد فلا يطلق إلا بدلالة خاصة على المعنوي دون العضوي . ونحن نعرف مثلا جراحة القلب ، وأما جراحة الفؤاد فلا تدخل في نطاق الطب البشرى .
ونحن نأكل القلب كما نأكل الكبد والكلى ، وأما الفؤاد فليس مما يؤكل أو يباع .
كما نعرف قلوبا للبشر والحيوان الأعجم على اختلاف فصائله ، وأما الفؤاد فللإنسان لا غير . . .