عدل البيان القرآني فيما عما هو مألوف ومتبادر من تقديم الأولى على الآخرة .
وليس القصد إلى رعاية الفاصلة ، هو وحده الذي اقتضى تقديم الآخرة هنا على الأولى . وإنما اقتضاه المعنى أولا ، في سياق البشرى والوعيد ، إذ الآخرة خير وأبقى ، وعذابها أكبر وأشد وأخزى . . .
وبهذا الملحظ البياني قدمت الآخرة على الأولى في سياق البشرى للمصطفى ، عليه الصلاة والسلام ، بآية الضحى :
وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى
كما قدمت الآخرة على الأولى في سياق الوعيد لفرعون ، بآية النازعات :
فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
* * * مقتضى الإعجاز أنه ما من فاصلة قرآنية لا يقتضى لفظها في سياقه ، دلالة معنوية لا يؤديها لفظ سواه ، قد نتدبره فنهتدى إلى سرّه البياني وقد يغيب عنا فنقرّ بالقصور عن إدراكه .
ولا يظن بي أنني أهوّن من قيمة التآلف اللفظي والإيقاع الصوتي لهذا النسق الباهر الذي نجتلى فيه فنيّة البلاغة ، تؤدى المعنى بأرهف لفظ وأروع تعبير وأجمل إيقاع .
فالبلاغة من حيث هي فن القول ، لا تفصل بين جوهر المعنى وبين أسلوب أدائه ، ولا تعتد بمعان جليلة تقصر الألفاظ عن التعبير البليغ عنها ، كما لا تعتد بألفاظ جميلة تضيع المعنى أو تجور عليه ليسلم لها زخرف بديعى .
وهذا هو الحد الفاصل بين فنية البلاغة كما تجلوها الفواصل القرآنية بدلالتها المعنوية المرهفة ونسقها الفريد في إيقاعها الباهر ، وبين ما تقدمه الصنعة البديعية من زخرف لفظي يكره الكلمات على أن تجئ في غير مواضعها .