ولا أريد بها المفاضلة بين أعلى وعال ، على ما وهم بعضهم خضوعا لأحكام اللغويين في صيغ التفضيل ودلالتها . وقد جرّ هذا الوهم إلى ما أشار إليه « الفخر الرازي » من تعلق الملاحدة في « ربه الأعلى » من اقتضاء أن يكون هناك رب آخر مفضولا في العلو « 1 » ، على ما يقضى به منطق التفضيل عندهم وقواعده .
وذلك من عقم الحسّ في من يغيب عنه السر البياني في إطلاق مثل صيغة الأعلى - والعليا - دون قصد إلى مفاضلة أو ترتيب ، وإنما القصد إلى المضي بالعلو إلى نهايته القصوى بغير حدود ولا قيود .
وهو نفس الملحظ الدلالى لصيغ : الحسنى ، واليسرى ، والعسرى ، والأشقى ، والأتقى ، في سورة « الليل » دالة على غاية الحسن واليسر والتقوى ، وأقصى العسر والشقاء الذي ما بعده من شقاء .
ومثلها صيغة الأكرم في آية العلق :
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
لم يعدل فيها عن الكريم إلى الأكرم ، لمجرد رعاية الفاصلة ، ولا قصد بها المفاضلة بين أكرم وكريم ، على ما تأوله مفسرون ، وساقوا وجوها عدة لأكرميته تعالى « 2 » .
واستقراء آياتها ، يشهد بأن صيغتى الأفعل والفعلي ، تفيدان الإطلاق إلى أقصى المدى ، بغير حد أو قيد مفاضلة .
إنما تتعين المفاضلة بذكر المفضول ، مضافا إليه أو مجرورا بحرف من ، في مثل :
أكثر الناس ، أكثركم ، أكبر من أختها ، والفتنة أشد من القتل ، ولا أقل من ذلك ولا أكثر . . .
ووجه التفضيل في مثل قوله تعالى :
وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
أنه في سياق الحديث عن مكر المخلوقين : ثمود في آية ( النمل 50 ) والكافرين من بني إسرائيل
هامش
( 1 ) التفسير الكبير للرازي : ج 8 ، سورة الليل .
( 2 ) الفخر الرازي : التفسير الكبير ، ج 8 ، سورة العلق .