وعدّ « الفخر الرازي » من وجوه حذف الكاف رعاية الفاصلة « 1 » .
ومثله « النيسابوري » في تفسيره لآيات الضحى « 2 » ، ونظائرها .
ولو كان البيان القرآني يتعلق بهذا الملحظ اللفظي فحسب ، لما عدل عن رعاية الفاصلة في الآيات بعدها :
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
وليس في السورة كلها « ثاء » فاصلة .
بل ليس فيها حرف ثاء ، على الإطلاق .
وعلى مذهبهم ، كانت الفواصل ترعى بمثل لفظ : فخبّر ، لمشاكلة رؤوس الآيات بالعدول إلى هذا اللفظ ، عن : « فحدث » ونرى ، واللّه أعلم ، أن حذف كاف من : « وما قلى » مع دلالة السياق عليها ، تقتضيه حساسية مرهفة بالغة الدقة واللطف ، هي تحاشى خطابه تعالى رسوله المصطفى ، في موقف الإيناس ، بصريح القول : وما قلاك .
لما في القلى من حسّ الطرد والإبعاد وشدة البغض . وأما التوديع فلا شئ فيه من ذلك ، بل لعل الحس اللغوي فيه يؤذن بأنه لا يكون وداع إلا بين الأحباب ، كما لا يكون توديع إلا مع رجاء العودة وأمل اللقاء .
وحذفت كاف الخطاب في الفواصل بعدها ، لأن السياق بعد ذلك أغنى عنها .
ومتى أعطى السياق الدلالة المرادة مستغنيا عن الكاف ، فإن ذكرها يكون من الفضول والحشو المنزه عنهما أعلى بيان .
* * * وآيات الفجر :
هامش
( 1 ) التفسير الكبير ، للرازي : ج 8 ، سورة الضحى .
( 2 ) على هامش تفسير الطبري . ط مصر .