( بديع القرآن ) مستقرّا على رأى في الموضوع : فهو في باب « ائتلاف الفاصلة مع ما يدل عليه سائر الكلام » - وهذا الباب عنده من مخترعات قدامة بن جعفر « 1 » ، وسماه من بعده : ( التمكين ) - يقول ما نصه : « وكل مقاطع آي الكتاب العزيز لا تخلو من أن تكون أحد الأقسام الأربعة - لائتلاف الفاصلة ، وهي : التمكين ، والتصدير ، والتوشيح ، والإيغال - ولهذا تسمى مقاطعه فواصل لا سجعا ولا قوافى ، لاختصاص القوافي بالشعر ، والسجع بالمنافرة ، مأخوذ من سجع الطائر » « 2 » فتفهم من هذا ، أنه مع الذين نفوا وجود السجع في القرآن . لكنه لا يلبث في « باب التسجيع » أن يعده فنّا من بديع القرآن ، ويستشهد لضربيه - المتماثل والمتقارب - بالآيات الأولى من سورة « ق » وسورة « الرحمن » « 2 » وكأنه تحاشى القول صراحة بالسجع في القرآن ، ثم لما وصل إلى باب التسجيع ، شق عليه ألا يقدم نماذجه العليا من الفواصل القرآنية ، في ( بديع القرآن ) .
و « يحيى بن حمزة العلوي » - ت : 749 ه - في باب « التسجيع » من كتابه ( الطراز ، المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز ) لم يفرق بين الأسجاع والفواصل ، ولا اعتد بقول الذين نفوا السجع في القرآن . والتسجيع عنده : « من علوم البلاغة ، كثير التدوار عظيم الاستعمال في ألسنة البلغاء ، ويقع في الكلام المنثور . وهو في مقابل التصريع ، في الكلام المنظوم الموزون في الشعر . ومعناه في ألسنة علماء البيان : اتفاق الفواصل في الكلام المنثور ، في الحرف ، أو في الوزن ، أو في مجموعهما » « 4 » .
هامش
( 1 ) أبو الفضل قدامة بن جعفر الكاتب ، توفى سنة 337 ه في كتابه ( نقد النثر ) قال : « ومن أوصاف البلاغة أيضا السجع في موضعه وعند سماحة القريحة به ، وأن يكون في بعض الكلام لا في جميعه . . . فأما أن يلزمه الإنسان في جميع قوله ورسائله وخطبه ومناقلاته فذلك جهل من فاعله وعىّ من قائله ، وقد رويت الكراهية فيه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - وذكر الحديث في دية الجنين - وإنما أنكر صلى اللّه عليه وسلم ذلك لأنه أتى بكلامه مسجوعا كله وتكلف فيه السجع تكلف الكهان . . » ص 93 - 94 ط أولى 1351 ه - 1932 م ( الجامعة المصرية ) .
ولم نأت به في سياق هذا العرض ، لكونه لم يذكر فيه القرآن الكريم ، ولا جاء بأي شاهد منه .
( 2 ) ابن أبي الإصبع : بديع القرآن . ص 89 ، 101 ط نهضة مصر سنة 1957 .
( 4 ) يحيى بن حمزة العلوي : الطراز ، باب التسجيع - ط المقتطف سنة 1322 - 1916 لدار الكتب بالقاهرة - تحقيق الشيخ سيد بن علي المرصفي .