وسلم السجع مطلقا لقال « أسجعا ؟ » ثم سكت . . فلما قال : « أسجعا كسجع الكهان » صار المعنى معلقا على أمر وهو إنكار الفعل لم كان على هذا الوجه . فعلم أنه إنما ذم من السجع ما كان مثل سجع الكهان لا غير ، وأنه لم يذم السجع على الإطلاق ، وقد ورد في القرآن الكريم . وهو ، صلى اللّه عليه وسلم ، قد نطق به في كثير من كلامه حتى إنه غيّر الكلمة عن وجهها اتباعا لها بأخواتها من أجل السجع ، فقال لابن بنته عليهما السلام : « أعيذه من الهامة والسامّة ، وكل عين لامّة » « 1 » .
وإنما أراد « ملمة » لأن الأصل فيها من : ألمّ فهو ملمّ . وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام : « ارجعن مأزورات غير مأجورات » « 2 » وإنما أراد : موزورات من الوزر ، فقال : مأزورات ، لمكان « مأجورات » طلبا للتوازن والسجع . وهذا مما يدلك على فضيلة السجع .
« على أن هذا الحديث النبوي الذي يتضمن إنكار سجع الكهان ، عندي فيه نظر ، فإن الوهم يسبق إلى إنكاره ، يقال : فما سجع الكهان الذي يتعلق الإنكار به ونهى عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟
والجواب عن ذلك : أن النهى لم يكن عن السجع نفسه وإنما النهى عن حكم الكاهن الوارد باللفظ المسجوع . ألا ترى لما أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في دية الجنين بغرّة : عبد أو أمة ، قال الرجل : أأدى من لا شرب ولا أكل ، ولا نطق فاستهل ، ومثل ذلك يطلّ ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أسجعا كسجع الكهان » ؟ « 3 » « فالسجع إذن ليس بمنهى عنه ، وإنما المنهى عنه هو الحكم المتبوع في قول
هامش
( 1 ) في رواية أبى داود من حديث ابن عباس ، رضى اللّه عنهما ، قال : كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يعوّذ الحسن والحسين : « أعيذكما بكلمات اللّه التامة ، من كل شيطان وهامة ، ومن كل عين لأمّة » ( السنن ، ك السنة ، باب في القرآن ح : 4737 )
( 2 ) أخرجه ابن ماجة في سننه ، ك الجنائز ، باب ما جاء في اتباع النساء الجنائز ( ح 1578 )
( 3 ) مرّ في ص 255 .