وتولى الخلافة بعده ابنه الحسن بن علي رضي الله عنهما بايعه أكثر من أربعين ألفا ، وفيهم كثير ممّن تخلّف عن بيعة أبيه ، وممّن نكث بيعته . فبقي خليفة حقا خمسة أشهر وخمسة وعشرين يوما تكملة الثلاثين سنة التي أخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنها مدة الخلافة بعده « 1 » ، وبعدها يكون ملكا عضوضا أي يعضّ الناس بجور أهله ، وعدم استقامتهم ، فلما تمّت تلك المدة سار إلى معاوية « 2 » في أهل الحجاز والعراق لينتزع منه الشام ، وسار إليه معاوية ، فلما تقارب العسكران ، وذلك بمسكن من أرض الأنبار ، نظر الحسن رضي الله عنه إلى الجيشين وفكر فيما يكون بينهما من القتل فعلم أنه لن تغلب إحدى الفئتين حتى يذهب أكثر الأخرى ، فرأى رضي الله عنه أن المصلحة في جمع الكلمة وترك القتال وحقن دماء المسلمين . فأرسل إلى معاوية يخبره أنه يسلّم إليه الأمر على شرط أن لا يطلب أحدا من أهل الحجاز ولا المدينة ولا العراق بشيء ممّا كان في أيام أبيه وأن يكون وليّ الأمر من بعده وأن يمكنه من بيت المال يأخذ منه حاجته ، ففرح معاوية وأجاب إلى ذلك إلّا أنه قال الأعداء لا أؤمّنهم ، فراجعه الحسن فيهم ، فكتب إليه معاوية : آليت على نفسي أنّي متى ظفرت بقيس بن سعد بن عبادة « 3 » أن أقطع لسانه ويده ، فراجعه الحسن « 4 » ( رضي الله عنه ) فقال : إني لا أصالحك أبدا وأنت تطلب قيسا أو غيره بتبعة قلّت أو كثرت ، فبعث إليه معاوية برقّ أبيض ، قال : اكتب ما شئت فيه وأنا ألتزمه ، فاصطلحا على ذلك ، فكتب الحسن رضي الله عنه كلّ ما اشترط عليه من الأمور المذكورة والتزم ذلك كلّه معاوية . فخلع الحسن رضي الله عنه نفسه تورّعا وقطعا للشرّ وإيثارا للعافية وإطفاء لنائرة « 5 » الفتنة وحقنا لدماء المسلمين ،
هامش
( 1 ) القول في الفتح الباري 7 / 58 وفضائل الصحابة 84 وتهذيب ابن عساكر 4 / 219 والوفيات 2 / 66 .
( 2 ) الخبر في الاستيعاب 1 / 375 - 376 وسير النبلاء 3 / 277 - 278 وحياة الحيوان 1 / 109 - 110 .
( 3 ) سبق التعريف به في الصفحة 722 الحاشية 7 .
( 4 ) ما بين القوسين ساقط من ج .
( 5 ) نار الحرب ونائرتها : شرّها وهيجها . ( اللسان : نور )