الأنام محمد عليه أفضل الصّلاة والسّلام ، وبعده الأئمّة الأعلام ، فتعيّن القول بالجواز على من اتّضح ذلك لديه ، والمنع على من اشتبه ذلك عليه . انتهى .
وله كرامات كثيرة ، ومكاشفات شهيرة :
منها : أنّه كان يسمع كلام الموتى ، ويكلّمهم ويكلّمونه .
فقد وقع أنّ أبا الخير النحّاس الذي كان انتصب لمصادرة النّاس حسّن للسّلطان مصادرة صاحب التّرجمة ، وقال : إنّ جهاته يتحصّل منها كلّ يوم مقدار جامكيّة عدّة أمراء ، فإذن له السّلطان في ذلك ، فحضر عنده ، وقال :
السّلطان يسلّم عليكم ، ويسألكم أن تقرضوه خمسة عشر ألف دينار . ولم يكن عنده منها خمسة عشر درهما ، فقال له : يا لطف اللّه ! وكان من أتباعه رجل متأصّل في القرافة بجوار الإمام الشّافعيّ ، يقيم في خدمة الشّيخ بياض النّهار ، وآخره يبيت في بيته ، فاستدعاه ، وقال له : ادخل إلى قبّة الإمام ، وقف تجاه وجهه بأدب ، وقل له : خادمك يحيى يعلمك بما نزل به ، ومهما سمعته من الجواب احفظه ، وارجع به إليّ . ففعل الرّجل ما أمره به ، فلم يسمع جوابا ولا خطابا . وكرّر ذلك ، ولا حسّ ولا خبر ، فلمّا أصبح دخل على الشّيخ فوجده مسرورا ، فقال : ما ذا جئت به ؟ قال : لم أسمع شيئا أصلا . فقال : وعزّة ربّي ، لقد سمعت الجواب لك في مجلسي هذا ، وقال لك : قل له بعد خمسة عشر يوما يؤتى إليك بأبي الخير حافيا حاسرا مكتوفا ، وأنت مخيّر فيه بين ثلاث :
القتل ، أو النّفي ، أو الضّرب . فكان كذلك ، غضب السّلطان عليه بسبب لم يعلمه النّاس ، وأرسله إليه ليفعل به ما يثبت عليه ، فحكم بنفيه ، فنفي ، ولم يزل طريدا شريدا حتّى مات .
ووقع له أيضا : أنّه حضر مولد الإمام الشّافعيّ على العادة ، فبينما هو جالس والقرّاء يقرءون نهض واقفا مناديا ، وقال : الإمام يقول لكم : اقرءوا تلاوة .
ومنها : أنّ الطّير كان يعقل كلامه ، ويفهم ما يخاطبه به . حكوا عنه : أنّه زار يوما القاضي شرف الدّين الأنصاري كاتب السرّ في منزله ببولاق ، فجلس معه في المنظرة ، فشكا له أنّ الطّيور تنجّس عليه الفرش والكتب بكثرة ذرقها ، وأنّه