والمحرّم ، مديما للتّلاوة ، ومطالعة السّيرة النّبويّة ، محبّا فيها ، حتّى كان يأتي على الغزوة بتمامها حفظا ، مع حفظ الكثير من الرّقائق وأخبار الأولياء وحكايات الصّالحين .
وإذا قرئ عنده الحديث صار هو وجماعة مجلسه في غاية ما يكون من الإطراق ، وسكون الأطراف ، كأنّما على رؤوسهم الطّير ، بحيث لا يتزحزح لقادم كائنا من كان .
وكان الأكابر يكثرون التعجّب من خلوّ فكره للإقراء مع ما كان عليه من الدّين الكثير .
وأتاه مرّة من أخبره عن قصب له بألوف أنّه غرق وهو يقرئ « الحاوي » فما قطع تقريره ، ولا تلعثم « 1 » وما ذاك إلّا لرؤيته للمصطفى صلى اللّه عليه وسلم ، فإنّه كان يراه كثيرا ، ووضع يده على قلبه « 1 » حتّى وجد بردها .
وكان كثير الرّغبة في البذل للفقراء ، والإحسان إليهم ، والتّواضع لهم « 2 » .
وكان يتصدّق بقميصه وعمامته ، ولم يقع له أنّه بلّ قميصا ولا شاشا قطّ ، فكان إذا جاءه سائل وليس في يده ما يعطيه إيّاه حالا قلع عمامته ، وناولها له .
وكان لجماعة من الفقراء سيّما طلبة العلم وذوي الهيئات والبيوت كلّ سنة وشهر وأسبوع عليه رواتب من قمح وعسل ، ولآخرين قمصان ، ولآخرين رواتب يوميّة من طعام وخبز وأدام ، ولم يكن يأكل وحده .
وكانت معاليمه « 3 » كالأوقاف يفرّقها بعد معلوم النّائب للفقراء ، ولا يأخذ منها شيئا . وكثرت استدانته لهذا الصّنيع ، وركبه الدّين ، حتّى أنّ ولده الشّيخ زين العابدين كان آخرا لا يمكّنه من التصرّف بل يحجر عليه ، ويمنع في بعض الأوقات من وصول النّاس إليه .
وقال السّخاوي : واتّفق مرّة أنّه لم يجد معه في عشر رمضان الأخير ما يقوم
هامش
( 1 ) ما بينهما مستدرك من المطبوع .
( 2 ) في ( ف ) : التواضع معهم .
( 3 ) المعلوم : الأجر ، الراتب .