وشرع في الكتابة على « مختصر المزني » مع ما بيديه من تحقيقات وأبحاث ومناقشات . وكان القارئ عليه فيه الجوجري ، والفخر المقسي ، والشّيخ عبد الرّحمن المنهليّ .
وصار يلقي هناك دروسا محرّرة منقّحة ، غير قانع بما يسلكه النّاس من التّخفيف في دروس الوظائف ، حتّى أنّه قرّر في الضّبّة « 1 » في الفقه بالسّبر والتّقسيم نحو ألف وجه في مجلس واحد . وكان ذلك من النّوادر .
وانتهت كتابته في شرح « مختصر المزني » إلى أثناء صفة الصّلاة في ستّ مجلّدات ، وهي عندي بخطّه .
وكانت ولايته للتّدريس المذكور في حياة والدته عائشة ، وكانت من عابدات نساء زمنها ، وخيراتهنّ ديانة وزهادة وكثرة نسك وتعبّد ومجاهدات جمّة ، وكانت ترى المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ، فيصافحها .
وأخبرت أنّها حين كانت حاملا به أحبّت التّفاؤل بما ينطق به ابن أبي الوفا وهي في مجلسه ، فقام من موضعه ، ومشى حتّى وقف على رأسها ، وتلا :
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ . . .
[ الأحزاب : 23 ] .
وكانت تخبر غير مرّة ، وهو طفل ، أنّها رأت ما يدلّ على ولايته للقضاء ، وتجزم بوقوع ذلك . ثمّ رأى هو ذلك بعد ذلك كما هو مكتوب بخطّه على ظاهر مسوّدته من « شرح المختصر » ما نصّه : رأيت في اللّيلة التي سفر صباحها عن سابع عشر المحرّم أنّني دخلت إلى ضريح الإمام الشّافعيّ للزّيارة ، وأنّه - رضي اللّه عنه - ظهر وقعد ، وإذا به أسمر اللّون ، قليل اللّحم ، وأخذ يتحدّث ، فسمعته يقول : تحكّم في الأرض كيف شئت ؛ فإنّ اللّه لك معين وناصر ، وإذا بشخص بجانبي يقول : نعم يا سيّدي ، سمعته يقولها لشخص من قبلي يسمّى ناصر الدّين ، وساق مناما ، وفيه أنّ الإمام الشّافعيّ أخذ يشير إلى أشياء ذهبت
هامش
( 1 ) الضبة : تقدم التعريف بها صفحة 275 . وقد اختلف الفقهاء في ضبة الإناء في حلها وحرمتها : من حيث المادة : ذهب ، فضة ، عاج . ومن حيث الكمية : قليل ، كثير . ومن حيث الحاجة : زينة ، ضرورة . انظر المجموع للنووي 11 / 254 وما بعدها .