ثمّ أعرض عن شغل فكره بجميع ذلك « 1 » ، ولازم التجرّد والتعبّد ، واعتزل دهرا طويلا بعد ما تفقّه قليلا .
وصحب غير واحد من سادات الصّوفيّة كالشّيخ عمر الوفائي ، وغيره . لكن لم يفتح له إلّا على يد الزّاهد ، فلزمه خمس عشرة سنة ، وأقبل بكلّيته عليه حتّى فتح له ، فأذن له في التّربية والإرشاد ، وتصدّى لذلك بكثير من النّواحي .
وقطن المحلّة الكبرى بإشارة الشّيخ كما تقدّم « 2 » . وكان بها مدرسة يقال لها الشّمسيّة فنزلها ووسّعها وأحكم بناءها ، وعمل فيها خطبة ، وانتفع به أهل تلك النّاحية ، وظهرت بركته وعلت درجته .
ثمّ عمّر بالقاهرة بخطّ سوق أمير الجيوش جامعا كانت الخطّة « 3 » مفتقرة إليه جدّا . ومن بركته أنّه عكف فيه جماعة من الفضلاء والنّبلاء .
ويقال : إنّ الزّاهد كان خطب لعمارة الجامع المذكور ، فقال : المأذون له فيه غيري . فكان ذلك هو الشّيخ محمد .
ولذلك لمّا راسله الحافظ ابن حجر يلتمس منه التّوقّف عن الخطبة فيه ، ويلومه على ذلك ، قال : إنّما فعلته بإذن ، ولا بدّ من ذلك .
وعمّ النّفع به حتّى اشتهر صيته ، وعلا قدره ، وكثرت أتباعه ، وذكرت له أحوال ومشاهد وخوارق . وصار في مريديه جماعة لهم جلالة وشهرة .
وجدّد عدّة مواضع بكثير من الأماكن يعجز عن مثلها سلطان .
وأنشأ عدّة زوايا ، يقال نحو الخمسين ، وكثر الاجتماع فيها للتّلاوة والذّكر .
وأقبل عليه الخاصّ والعامّ ، وقصد للزّيارة والتبرّك به من جميع الأقطار ، كلّ ذلك مع لزوم الجدّ في التزهّد ، وإقباله على ما يقرّب إلى اللّه ، وصحّت عقيدته ، ولزومه لقانون السّلف ، والتّحذير من البدع والحوادث ، وإعراضه عن
هامش
( 1 ) الجملة في الضوء اللامع / 238 : وأعرض عن إشغال فكره بكل ما أشرت إليه .
( 2 ) انظر صفحة 152 من هذا الجزء .
( 3 ) في ( أ ) : كانت الناس ، وفي ( ب ) : كانت الخطبة .