الحضور خوفا على سقوط مقامه بين النّاس ، فبلغه ، فقال : إنّما يحضر في الحديد . فمرّ الوزير على قطيع غنم لسالم ، فأخذها ، فبلغ سالما ، فحضر للوزير ليخلّصها ، فوضعه في الحديد ، وأحضره لمصر ، فجاء للحنفيّ يستشفع به ، فأطلقه .
وشكا الأستادار « 1 » جمال الدّين للسّلطان برقوق شدّة الشّيخ وغلظته « 2 » عليه ، فأحضره ، وقال : أنت السّلطان أم أنا ؟ فقال : لا أنا ولا أنت ، إنّما السّلطان هو اللّه ، وأنت شجرة ، فإن عدلت فشجرة مثمرة ذات أغصان وأوراق ، وأوى لظلّك المسكين والمظلوم ، وأصحاب الحاجات ، وإن لم تعدل فشجرة بلا ثمرة ، ولا أغصان ، ولا ورق ، وكنت لا ظلّ لك يأوي إليه أحد ، واعلم بأنّ اللّه سيوقفك بين يديه ، ويسألك عن جميع رعيّتك ، فأعدّ للسّؤال جوابا .
فقام السّلطان ، وضرب الشّيخ بمقرعة على أكتافه ثلاث ضربات . فانصرف الشّيخ مغضبا ، وهو يقول : اللّهمّ فاشهد ، فحصل بعد سبعة عشر يوما للسّلطان قولنج أشرف منه على الموت ، وعجزت الأطبّاء عن برئه ، فحمل السّلطان للشّيخ ، فوضع يده على بطنه ، فقام صحيحا ، فاعتذر للشّيخ ، وقطع رأس جمال الدّين الأستادار وأرسل بها للشّيخ ، فقال : ارجعوا به لا أرى له وجها .
واستضافه رجل بسملاي « 3 » ، فلمّا قدّم له الطّعام أخذ صحنا وناوله لنقيبه بزاويته بمصر .
وأرسل رجلا من أصحابه لقوم يقطعون الطّريق في قليوب ، فبمجرّد ما أبصروه تابوا ، وجاءوا للشّيخ ، وصاروا من أهل الطّريق .
وجاءه بعض المنكرين ، وقال له : ادع لي هذا الإنسان الذي يطحن على رحى ، فاستدعاه له ، فجاء للشّيخ ، فلم تزل الرّحى تطحن بنفسها .
هامش
( 1 ) انظر الحاشية ( 3 ) صفحة 234 .
( 2 ) في ( أ ) : من شدة الشيخ وغلاظته .
( 3 ) سملاي : هي من القرى القديمة بمركز أشمون ، من أعمال المنوفية في الوجه البحري . معجم رمزي 2 / 2 / 161 .