وقال : [ حكم ] « 1 » أولاد الفلاحين الذي يقرءون بالجامع الأزهر حكم من سافر ليتعلّم آلة الجهاد من الرّمي وغيره ، فلمّا تعلّم سافر ليجاهد ، فقطع الطّريق واكتفى بذلك ، فهم اتّخذوا علمهم آلة لحرب من يخاصمهم ، ونسوا ما شرع العلم لأجله من العمل والخشية والورع والزّهد ونحو ذلك .
وقال : الفقير لا يكون عمله إلّا بقلبه ، ولا يد له ولا لسان ، فمن لا قلب له لا يتصدّى للشّفاعة عند الظّلمة ، فيضحكون عليه .
وقال : الشّريعة كالشّجرة ، والحقيقة كالثّمرة ، فلا بدّ لكلّ من الأخرى ، لكن لا يدرك ذلك إلّا من تمّ سلوكه .
وقال : لا ينبغي لفقير أن يمكّن أحدا من تقبيل يده ، أو التمسّح بثوبه إلّا إن صار في مقام الحجر الأسود ، قيل : ما مقامه ؟ قال : مقامه حفظ عهود جميع من استلمه ، وتحمّل خطاياهم ، وفداؤهم « 2 » بنفسه ولو اسودّ بذلك وجهه بين النّاس .
وقال : الفقراء كبيت الخلاء ، لا يأتيهم « 3 » إلّا مخروق .
وقال : كلّ فقير افتخر بزيارة أمير أو سلطان فهو مراء شيطان ، لم يشمّ لطريق الفقر « 4 » رائحة . انتهى .
ولهذا كان السّلطان قايتباي « 5 » يزوره في بركة الحاجّ ، فلا يذكره بعد خروجه من عنده بمدح ولا ذمّ .
هامش
( 1 ) ما بين معقوفين زيادة يقتضيها النص .
( 2 ) انظر الحاشية رقم ( 1 ) صفحة 205 من هذا المجلد .
( 3 ) في ( أ ) : الفقير . . . لا يأتيه .
( 4 ) في ( أ ) : لا يشم لطريق الفقراء .
( 5 ) قايتباي المحمودي الأشرفي ثم الطاهري ، الملك الأشرف ، أبو النصر ، سيف الدين ، سلطان الديار المصرية ، من ملوك الجراكسة ، اشتراه الأشرف برسباي من الخوجة محمود ، وكانت مدته حافلة بالعظائم والحروب ، وسيرته أطول السير ، كان متقشفا له اشتغال بالعلم ، كثير المطالعة ، فيه نزعة صوفية ، شجاعا عارفا بأنواع الفروسية ، أبقى كثيرا من آثار العمران في مصر والحجاز والشام ، توفي سنة 901 للهجرة . انظر الأعلام 5 / 188 .