( 556 ) محمد السّنهوري « * »
محمد بن هارون السّنهوري ، إمام جليل ، وصوفيّ نبيل ، فاق القران ، وساوى من تقدّم من فضلاء الزّمان ، حتّى سار بذكر أحواله الرّكبان .
استوطن سنهور « 1 » ، وبنى له زاوية ، وقبره بها مشهور .
كان محبّا للسّماع ، ويعمل المواعيد المؤثّرة في الأسماع . سئل عن السّماع ، فقال : إباحة من لا ينبغي لنا الاعتراض عليه ، وأنكره من يرجع في الفتوى الشّرعيّة إليه ، فسالكه على خطر ؛ لأنّه حال مبهم ، فمن أمكنه فليفعل ، وإلّا فالرجوع إلى العلماء أسلم .
وقال : من لم يطّلع على بعض الغيب ، فليبك على قلوب حجبت عن اللّه .
وقيل له : إنّ بالوعة الفسقيّة استدّت من الاستعمال ، فنخسها برجله ، وقال : نفذت للبحر الملح ، فمن ذلك لو صبّ فيها بحار لم يظهر له أثر .
ومع علوّ مقامه ، مرّ على فقير رثّ ، ومعه أصحابه ، فسلّم عليه ، فلم يلق له بالا ، فأخذه منه في نفسه شيء ، فتفرّق بمجرّد ذلك عنه أصحابه ، فعلم أنّ ذلك الفقير سلبه ، فرجع إليه فلم يجده . فما زال ينتقل من بلدة إلى أخرى ، إلى أن وجده خادم قرّاد ، وهو في داخل حلقته بالرّميلة بمصر ، يفعل الأفاعيل المضحكة للنّاس ، فلمّا أبصره ، قال : ابن هارون ! ابن هارون ! أيش على الفقراء من ابن هارون ؟ فكشف رأسه ، وأكبّ على قدميه ، وقال : أتوب ، ولا أعود لمثلها . فأخذ عمامته ، ووضعها على رأسه ، وأمرّ بيده على صدره ، وقال : أعطيناك ما كان معك وزيادة ، ولولا فتوّة الفقراء لجعلتك عبرة . فإذا هو كما كان وزيادة .
هامش
* تقدمت ترجمته مع ذكر مصادرها في الصفحة 280 من هذا الجزء .
( 1 ) سنهور : بليدة بين الإسكندرية ودمياط .