تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية ) — صفحة 520

مساهمون:

ص٥٢٠
فكلّما حفروا نزل في الأرض ، فعجزوا ، فأهالوا عليه التّراب . وكان شيخنا شيخ الإسلام فقيه عصره الشّمس الرّمليّ يوصي من يميل إليه من تلامذته بتعظيم ابن عربي واعتقاده ، وينقل ذلك عن أبيه . وذكر الشّيخ شهاب الدّين بن حجر الهيتمي عن بعض مشايخه : أنّه كان من المنكرين ، فمرض واشتدّ به ضيق النّفس حتّى منعه الطّعام والمنام ، قال : فقلت له : هذا من الإنكار ، فسبّني ، ثمّ رجع ، وقال : لعلّك صادق . فقلت له : إذن اعقد التّوبة عن الإنكار عليه ، وأنتم يحصل لكم « 1 » الشّفاء فورا . فقال : تبت ، ولا أعود ، فشفي ، وصار يأكل ويشرب وينام مدّة . ثمّ جاءه رجل من معتقدي ابن عربي ، فبحث معه في شأنه ، فحمله حنقه منه على أن قال : اشهدوا عليّ أنّي باق على الإنكار . فعاد إليه المرض أشدّ ما كان ، إلى أن مات . وكان ألّف كتبا فاقت على جميع أهل عصره ، فلم ينفع اللّه بشيء منها . ومن تأمّل سيرة ابن عربي ، وأخلاقه الحسنة ، وانسلاخه من حظوظ نفسه ، وترك العصبيّة ، حمله ذلك على محبّته واعتقاده . وممّا وقع له : أنّ رجلا من دمشق فرض على نفسه أن يلعنه كلّ يوم عشر مرّات ، فمات ، وحضر ابن عربي جنازته ، ثمّ رجع فجلس ببيته ، وتوجّه للقبلة ، فلمّا جاء وقت الغداء ، أحضر إليه فلم يأكل ، ولم يزل على حاله إلى بعد العشاء ، فالتفت مسرورا ، وطلب العشاء وأكل ، فقيل له في ذلك ، فقال : التزمت مع اللّه ، أن لا آكل ولا أشرب حتّى يغفر لهذا الذي يلعنني ، وذكرت له سبعين ألف لا إله إلّا اللّه ، فغفر له . وقد أذى الشّيخ كثيرا في حياته وبعد مماته ، بما لم يقع نظيره لغيره ، وقد أخبر هو عن نفسه ، وذلك من غرر كراماته ، فقد قال في « الفتوحات » : كنت نائما في مقام إبراهيم ، وإذ بقائل من الأرواح - أرواح الملأ الأعلى - يقول لي عن اللّه : ادخل مقام إبراهيم ، إنّه كان أوّاها حليما « 2 » . فعلمت أنّه لا بدّ أن
هامش
( 1 ) في ( أ ) : وأنت يحصل لك . ( 2 ) إشارة لقوله عزّ وجل في سورة التوبة :إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ.