غير أنّه وقع له في تصانيف بعض تلك الكتب كلمات كثيرة أشكلت ظواهرها ، فكانت سببا لإعراض كثيرين ممّن لم يحسنوا « 1 » به الظّنّ ، ولم يقولوا كما قال غيرهم من الجهابذة المحقّقين ، والعلماء العاملين ، والأئمّة الوارثين : إنّ ما أوهمته تلك الظّواهر ليس هو المراد ، وإنّما المراد أمور اصطلح عليها متأخّروا أهل الطّريق غيرة عليها حتّى لا يدّعيها الكذّابون ، فاصطلحوا على الكناية عنها بتلك الألفاظ الموهمة خلاف المراد غير مبالين بذلك ؛ لأنّه لا يمكن التّعبير عنها بغيرها .
وقد تفرّق النّاس في شأنه شيعا ، وسلكوا في أمره طرائق قددا ، فذهبت طائفة إلى أنّه زنديق لا صدّيق ، وذهب قوم إلى أنّه واسطة عقد الأولياء ، ورئيس الأصفياء ، وثار آخرون إلى اعتقاد ولايته ، وتحريم النّظر في كتبه « 2 » ، وعوّل جمع على الوقف والتّسليم قائلين : الاعتقاد ضيعة « 3 » ، والانتقاد حرمان ، وإمام هذه الطّائفة شيخ الإسلام النّوويّ ، فإنّه استفتي فيه ، فكتب :
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ
[ البقرة : 134 ] الآية . وتبعه على ذلك كثيرون ، سالكين سبيل السّلامة .
وقد حكى عن شيخه الغوريّ أنّه سئل عنه ، فقال : اختلف فيه من الكفر إلى القطبانيّة ، والتّسليم واجب ، ومن لم يذق ما ذاقه القوم ، ويجاهد مجاهداتهم لا يسعه من اللّه الإنكار عليهم . والمنكرون عليه فريقان ، فريق قصد بإنكاره تنفير النّاس عن مطالعة كلامه لما اشتمل عليه من المشكلات وعويص المعضلات ، فلم يقصدوا بإنكارهم حظّا نفسانيّا ، بل سلامة النّاس من السّقوط في تلك الطّامّات ، كما هو مشاهد من حال كثير ممّن اعتقد ، وأكبّ على مطالعة كتبه ، فوقع في الخطأ والخطل حتّى ضلّ وأضلّ .
هامش
( 1 ) في ( ف ) : كثيرين لم يحسنوا .
( 2 ) تحريم النظر في كتبه لمن لا يعرف مصطلحات القوم ومعانيهم التي تختلف عن المعاني المتعارف عليها . انظر القلائد الجوهرية 2 / 400 .
( 3 ) في ( أ ) و ( ف ) : الاعتقاد صيغة .