وكان يواصل أربعينيات « 1 » ، فاشتهى هريسة ، فأحضرها ، ورفع لقمة إلى فيه ، فانشقّ الجدار ، وخرج شابّ جميل ، فقال : أفّ عليك ، فقال : إن أكلتها .
ثمّ طرحها وأدّب نفسه بزيادة عشر ليال .
ورأى المصطفى صلى اللّه عليه وسلم في نومه ، فقال له : إلى من تنسب ؟ فقال :
يا رسول اللّه ، إلى بني سعد ، قبيلة حليمة . فقال : بل نسبك متّصل بي . يعني نسبة محبّة وتبعيّة .
وقعد يوما بباب قاعة خطابة الجامع الأزهر ، وحوله جمع من المجاورين ، فجعل بعض العجم كلّما ذكروا حالا من أحوال الدّنيا كالطشتخانة « 2 » يقول :
هذا من زخم العجم « 3 » ، ويفخّم ، فأذّن المؤذّنون ، ورفعوا أصواتهم بالأذان جملة ، فقال : هذا من زخم العرب ، وصرخ وتواجد هو والحاضرون ، فصارت ضجّة عظيمة .
ومرّ برجل ومعه بلالين - أي ميازر - « 4 » فدعا رجل : يا صاحب البلالين ، فطرب الشّيخ ، وصاح ، وبكى ، وناح .
ومن خوارقه العجيبة ، وأحواله الغريبة : أنّه رأى جملا لسقّاء ، فكلف به وهام ، وصار يأتيه كلّ يوم ليراه ، ويتّقي « 5 » بأحماله شيئا كثيرا .
وكان يشخص في بعض الأيّام إلى الأسطوانة أو العمود الأسبوع فأكثر ، فلا يطرف بعينه .
وله من أمثال هذه الواقعات كثير ، وفي هذا القدر منه كفاية ، وناهيك
هامش
( 1 ) في مقدمة شرح الديوان 1 / 10 : كان للشيخ أربعينيات متواصلة ، لا يأكل ولا يشرب ولا ينام .
( 2 ) الطشت خانة : طشت البيت الذي يستعملونه في غسل الأيدي . مقدمة ديوان ابن الفارض 1 / 9 . وفي صبح الأعشى 4 / 10 : الطشت خاناة : بيت الطشت ، وسميت بذلك لأن فيها يكون الطشت .
( 3 ) زخم العجم : أي من وضع العجم واصطلاحهم . انظر مقدمة الديوان 1 / 9 .
( 4 ) ميازر : جمع مئزر على التسهيل .
( 5 ) في ( ب ) : ويسقي ، وفي المطبوع : ويبقى بأجماله .