في غير أشهر الحجّ ، ذاهبا إلى مكّة ، فلم تزل الكعبة أمامه حتّى دخلها ، وانقطع بواد بينه وبين مكّة عشر ليال ففتح عليه ، فصار يذهب من ذلك الوادي - وصحبته أسد عظيم - إلى مكّة ، فيصلّي بها الصّلوات الخمس ويعود إلى محلّه من يومه .
وأنشأ غالب نظمه حالتئذ ، وكان الأسد يكلّمه ويسأله أن يركب عليه ، فيأبى .
وأقام كذلك نحو خمسة عشر عاما ، ثم رجع إلى مصر ، فأقام بقاعة الخطابة بالجامع الأزهر ، وعكف عليه الأئمّة ، وقصد بالزّيارة من الخاصّ والعامّ . حتّى إن الملك الكامل كان ينزل لزيارته ، وسأله أن يعمل له ضريحا عند قبره « 1 » بالقبّة التي بناها على ضريح الإمام الشّافعيّ ، فأبى .
وكان جميلا نبيلا ، حسن الهيئة والملبس ، حسن الصّحبة والعشرة ، رقيق الطّبع ، عذب المنهل والنّبع ، فصيح العبارة ، دقيق الإشارة ، سلس القياد ، بديع الإصدار والإيراد ، سخيّا ، جوادا .
توجّه يوما إلى جامع عمرو ، فلقيه بعض المكارية « 2 » ، فقال : اركب معي على الفتوح ، فركب ، فمرّ به بعض الأمراء ، فأعطاه مائة دينار ، فدفعها للمكاريّ .
وكان أيّام النّيل يتردّد إلى المسجد المعروف بالمشتهى في الرّوضة ، ويحبّ مشاهدة البحر مساء ، فتوجّه إليه يوما ، فسمع قصّارا يقصر ، ويقول « 3 » :
قطّع قلبي هذا المقطّع * ما قال يصفو أو يتقطّع « 4 »
فصرخ وسقط ، فغمي عليه ، فصار يفيق ، ويردّد ذلك ، ويضطرب ثمّ يغمى عليه ، وهكذا .
هامش
( 1 ) كذا في الأصول ، وفي مقدمة شرح الديوان 1 / 4 و 10 : عند قبر أمه .
( 2 ) المكاري : الذي يؤجر دابته . انظر متن اللغة ( كري ) .
( 3 ) في مقدمة شرح الديوان 1 / 11 : يقصر ويضرب مقطعا على حجر ويقول .
( 4 ) في الأصول : قال ما . والمثبت من مقدمة شرح ديوان ابن الفارض . ومعنى ( ما قال ) : أي ما كان . وفي شذرات الذهب 5 / 150 : لا هو يصفو .