السّيوفيّة « 1 » ، يتستّر بذلك حتى لا يعرفه أحد ، ويظهر الجهل لئلا يعكف عليه النّاس .
فمرّ به يوما ابن الفارض ، فرآه يتوضّأ وضوءا غير مرتّب ، وهو لا يعرفه ، فقال له : أنت في هذا السّنّ في دار الإسلام وتتوضّأ وضوءا باطلا ! فنظر إليه ، وقال : لم أتوضّأ إلّا وضوءا مرتّبا ، لكنّك لا تبصر ، لو أبصرت أبصرت هكذا ، وأخذ بيده فأراه الكعبة . وقال : يا عمر ، إنّما يفتح عليك بالحجاز لا بمصر ، فأكبّ على أقدامه يستغفر . ولمّا سافر وأقام بمكّة سمع وهو بها البقّال يناديه وهو بمصر : يا عمر ، تعال إلى القاهرة ، احضر وفاتي ، فأتاه مسرعا في الوقت ، فوجده محتضرا فقال له : يا عمر ، ناولني تلك الدّنانير . فناوله ، فقال : جهّزني بهذه ، وافعل كذا وكذا ، وأعط حملة نعشي إلى القرافة كلّ واحد دينارا ، واتركني على الأرض في هذه البقعة ، - وأشار إليها تحت المسجد المعروف بالعارض « 2 » بقرب مراكع موسى بسفح الجبل - وانتظر قدوم رجل يهبط إليك من الجبل ، وانتظر ما يفعل اللّه بي .
فجهّزه كما قال ، وطرحه في البقعة المباركة كما أمر ، فهبط إليه رجل من الجبل كالطّائر المسرع ، فعرّفه بشخصه ، كان يراه يصفع قفاه بالأسواق « 3 » وقال : يا عمر ، تقدّم فصلّ ، فصلّى ، ثمّ رأى طيورا خضراء وبيضاء بين السّماء والأرض يصلّون ، ثمّ جاء منهم طير أخضر من عند رجليه فابتلعه ، وارتفع ، فطاروا جميعا ولهم زجل بالتّسبيح حتّى غابوا عن العيون ، فقال : يا عمر ، لا تعجب ؛ « فإنّ أرواح الشّهداء في حواصل طيور خضر » « 4 » ، وأمّا شهداء
هامش
( 1 ) المدرسة السيوفية : مدرسة بالقاهرة ، وهي من جملة دار الوزير المأمون البطائحي ، أوقفها صلاح الدين على الحنفية ، وعرفت بالمدرسة السيوفية لأن سوق السيوفيين كان حينئذ على بابها . الخطط المقريزية 4 / 196 .
( 2 ) العارض : مغارة في الجبل عرفت بأبي بكر محمد جد مسلم القاري ، لأنه نقرها .
الخطط المقريزية 4 / 336 .
( 3 ) في ( أ ) : يصفع بالأسواق .
( 4 ) حديث حسن صحيح رواه الترمذي ( 1641 ) في فضائل الجهاد ، باب ما جاء في ثواب الشهداء عن كعب بن مالك رضي اللّه عنه .