فلمّا كان جوف اللّيل طرق الباب [ فخرجوا ] « 1 » فوجدوه أبا الحجّاج ، فقال :
رأيت المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ، فقال لي : الفقيه أبو الحسن قدم وهو بمحلّ كذا ، قم فسلّم عليه .
وكان صاحب التّرجمة مالكيّا ، ويقرئ المذهبين ، ومع ذلك لم يتخرّج عليه إلّا شافعيّ .
وأكثر من التّحديث ، وأقرأ الأصول ، واختصر « المحصول » فأجاد ، ونظم ونثر وأفاد ، ومن نظمه :
وزهّدني في الشّعر أنّ سجيّتي * بما يستجيد النّاس ليس تجود
ويأبى لي الخيم الشّريف رديّه « 2 » * فأطرده عن خاطري وأذود
ومنه :
أقول لدهر قد تناهى إساءة * إليّ ولكن للأحبّة أحسنا
ألا دم على الإحسان فيمن نحبّهم * فإنّهم الأولى ودع عنك أمرنا
ومن نثره إجازة لابن المفضّل « 3 » : أستخير اللّه في الإيراد والإصدار ، وأعتصم به من آفتي التّقصير والإكثار ، وأستغفر اللّه فيمن فرّط في الجهر والإسرار ، وأقول : إنّي ذاكرت فلانا - زيّنه اللّه بالتّقوى ، وحرسه في السرّ والنّجوى - في فنون من العلوم الشّرعيّة والنّقليّة ، فألفيته يرجع إلى معقول صحيح ، ومنقول صريح ، واطّلاع على المشكلات ، واضطلاع بحلّ المعضلات لا سيّما في فقه المذهب . فإنّه أصبح فيه كالعلم المذهّب ، وقام بعلم العربيّة والتّفسير ، فصار فيهما العالم النّحرير . وقد أجبته إلى ما التمس ، وإن كان غنيّا بما « 4 » حصّل واقتبس ، فليدرّس مذهب الشّافعيّ لطالبيه ، وليجب المستفتي بقلمه وفيه ، ثقة بفضله الباهر ، وورعه الوافر ، وفطرته الوقّادة ،
هامش
( 1 ) ما بين معقوفين من الطالع السعيد 435 .
( 2 ) الخيم : الشيمة والطبيعة ، والخلق والسّجية والأصل . لسان العرب ( خيم ) .
( 3 ) هو عمر بن عبد العزيز بن الحسين ابن المفضل . الطالع السعيد 440 .
( 4 ) في ( أ ) : مما .