وقال الغزالي : قال أبو يزيد : رأيت الحقّ في منامي ، وقال : سلني . قلت :
وعزّتك ، تعلم أنّه ليس لي لسان يقدر على النّطق الآن ، فقيل له : لم لا تسأله المعرفة ؟ فصاح ، وقال : اسكت ، المعرفة معرفتان : معرفة حقيقة ، ومعرفة حقّ . أمّا معرفة الحقّ فقد عرفها المؤمنون بنور الإيمان والإيقان ، وأمّا معرفة الحقيقة فلا سبيل إليها ، ولا يحيطون به علما .
وكان يعظ نفسه فيقول : يا أمّارة بالسّوء ، المرأة إذا حاضت طهرت بعد ثلاث أو سبع ، وأنت منذ ثلاثين سنة ما طهرت ، فمتى تطهرين « 1 » ؟ إنّ وقوفك بين يديّ اللّه لا بدّ منه ، فاجتهدي أن تكوني طاهرة .
وقال : كنت أظنّ في برّي لأمّي أنّي لا أقوم فيه لهوى نفسي ، بل لتعظيم الشّارع ، حيث أمر ببرّها ، فكنت أجد في نفسي لذّة عظيمة أتخيّل أنّها من تعظيم الحقّ عندي ، لا من موافقة نفسي ، فقالت لي في ليلة باردة : اسقني . فثقل عليّ ، وقمت بمجاهدة ، وجئتها بكوز ، فوجدتها نامت ، فوقفت به حتّى انتبهت ، فناولتها وقد بقي في أذن الكوز قطعة من جلد إصبعي لشدّة البرد انقرضت ، فرجعت إلى نفسي فقلت لها : حبط عملك ؛ لكونك كنت تدّعين النّشاط في عبادتك ، ورأيتك تثاقلت عن ذلك ، فعلمت أنّ كلّ ما نشطت فيه من عمل البرّ وفعلتيه لا عن كسل وتثاقل ، بل لذّة فإنّما هو لهواك لا للّه .
وقال : أوقفني الحقّ بين يديه مواقف في كلّها يعرض عليّ المملكة ، فيقول : أتريد التّحف ؟ قلت : لا ، قال : الظرف ؟ قلت : لا ، قال : الغرف ؟
قلت : لا ، قال : ما تريد ؟ قلت : أريد أن لا أريد ، فإنّك المراد ، وأنا المريد ، قال لي : أنت عبدي حقّا .
وقال : ركبت مركب الصّدق حتى بلغت الهوى ، ثم الشّوق حتى بلغت السّما ، ثم المحبّة حتى بلغت سدرة المنتهى ، فنوديت : يا أبا يزيد ، ما تريد ؟
قلت : أريد أن لا أريد « 2 » .
هامش
( 1 ) في المطبوع ، و ( أ ) : فما تطهرين .
( 2 ) العبارة في ( أ ) : يعرض عليّ المملكة ، فأقول : لا أريدها . فقال : ما تريد ؟ قلت :
أريد ألا أريد .