وكان أوحد زمانه في علوم الرّياضات .
صحب خاله محمد بن سوّار ، ولقي ذا النّون ، وأخذ عنه الأكابر طبقة بعد طبقة .
وطبق الأرض من علوم الحقائق ، فحسده فقهاء بلده ، فقاموا عليه ، ونسبوه إلى عظائم وقبائح ، بسبب قوله : التّوبة فرض على العبد في كلّ نفس ، ولم يزالوا به حتّى أخرجوه وجماعته من بلده إلى البصرة ، فمات بها .
وحفظ القرآن وهو ابن سبع ، وكان يسأل عن دقائق الزّهد والورع ، ومقامات الإرادة ، وفقه العبادة ، وهو ابن عشر ، فيحسن الإجابة .
وكان لا يفطر إلّا كلّ خمسة عشر يوما ، وإذا دخل رمضان ، يأكل أكلة واحدة في أوّل ليلة منه ، ثمّ يطوي بقيّته ، لكنّه يفطر كلّ ليلة على الماء القراح ، أو على زبيبة ، ليخرج عن الوصال « 1 » المنهيّ عنه .
وكان يكفيه لطعامه في السّنة كلّها درهم .
وإذا جاع قوي ، وإذا شبع ضعف .
وكان إذا دخل عليه ضعيف يأكل معه ، وإن لم يكن له شهوة إلى الأكل ذلك الوقت .
وكان يسمع القرآن وغيره فلا يتحرّك ، فلمّا كان أواخر عمره ، صار يتواجد ، ويقول : ضعفنا واللّه عن التحمّل ، وصار واردنا أقوى منّا .
وكان يطوي ثلاثين وأربعين ، وقيل : وسبعين ليلة ، لا يأكل شيئا .
قال الغزاليّ « 2 » : وقد انتهى إلى ذلك جماعة يكثر عددهم منهم : محمد بن
هامش
( 1 ) الوصال في الصوم هو : ألا يفطر يومين أو أياما . النهاية ( وصل ) . عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الوصال رحمة بهم . . . أخرجه البخاري 4 / 202 ( 1964 ) في الصوم ، باب الوصال ، ومسلم 1105 في الصيام ، باب النهي عن الوصال في الصوم .
( 2 ) إحياء علوم الدين 3 / 90 في كتاب كسر الشهوتين ، باب بيان طريق الرياضة في كسر شهوة البطن .