تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية ) — صفحة 625

مساهمون:

ص٦٢٥
الخوف حتّى قارب اليأس فالرّجاء له أفضل . وقال : طول العتاب فرقة ، وتركه حشمة . وقال : الذّكر الكثير أن تذكر اللّه في سرّك ، وتعلم يقينا أنّك لا تصل لذكره إلّا بعطائه وفضله . وقال : علامة السّعادة أن تطيع اللّه ، وتخاف أن تكون مردودا ، والشّقاوة أن تعصيه ، وترجو أن تكون مقبولا . ومرّ بالطّريق ومعه صحبه ، فوقع عليه رماد من كوّة ، فهمّوا أن يكلّموا أهل الدّار ، فزجرهم ، وقال : من استحقّ النّار ، فصولح على الرّماد ، لا يغضب . وقال : دخلت على رجل بيته ، فرأيت ثمّ حصيرا وكوزا مكسّرا ، فكنت انظر في البيت ، ففطن الرّجل ، فقال : العفاء خير من العافية « 1 » . وقيل له : بم يكون الرّجل صادقا في حبّ مولاه ؟ قال : إذا خلا من خلافه . فبكى السّائل ، ووضع التّراب على رأسه ، وقال : كيف أدّعي حبّه ، ولم أخل طرفة عين من خلافه ، فبكى الحيريّ ، وقال : صادق في حبّه ، مقصّر في حقّه . وكان يوما واقفا على رأسه أحد تلامذته أبو زكريّا النّخشبيّ ، وكان بينه وبين امرأة سبب قبل توبته ، فتفكّر في شأنها ، فرفع إليه ورأسه ، وقال : ألا تستحي . وخرج يوما فقعد في موضعه الذي يقعد فيه للتّذكير ، فسكت طويلا ، فقال له رجل : نرى أن تقول في سكوتك شيئا . فأنشد يقول :
وغير تقيّ يأمر النّاس بالتّقى * طبيب يداوي والطّبيب مريض « 2 »
فضجّ النّاس بالبكاء . مات سنة ثمان وتسعين ومائتين ، وقيل غير ذلك .
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد 9 / 100 ، وجاء في حاشيته : العفاء الهلك ، وأراد هنا شدة الفقر ، وأن العدم مع الرضا ، خير من الغنى مع العافية . ( 2 ) جاء عجز البيت في روض الرياحين 127 ( حكاية 51 ) : طبيب يداوي الناس وهو عليل .
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية ) — صفحة 625 | المناوي / محمد أديب الجادر