تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية ) — صفحة 611

مساهمون:

ص٦١١
لا شيء فيه غيره ، فحينئذ يقيمك على الباب ، ويولّيك ولاية جديدة ، ويأمر الخزّان لك بالطّاعة ، قلت : زيديني ، قالت : خذ من نفسك لنفسك ، وأطع اللّه إذا خلوت ، يجبك إذا دعوت ، والسّلام . وقال : كنت في جبل لكّام ، فرأيت رجلا قاعدا مطرقا ، فقلت : ما تصنع هنا ؟ قال : انظر وأرعى ، قلت : ما أرى عندك إلّا الأحجار ، فما الذي تنظره وترعاه ؟ فنظر إليّ مغضبا ، وقال : انظر خواطر قلبي وأرعى أوامر ربّي ، فبحقّ من أطلعك عليّ إلّا رحت عنّي ، قلت : كلّمني بشيء أنتفع به وأذهب ، قال : من لزم الباب أثبت من الخدم ، ومن أكثر ذكر الذّنوب أعقبه كثرة النّدم ، ومن استغنى باللّه أمن من العدم ، ثمّ تركني ومضى . وقال : مررت في وادي كنعان ليلا ، وإذا بشخص أقبل يقرأ :
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ
[ الزمر : 47 ] فلمّا قرب إذا به امرأة ، فقالت : من أنت ؟ قلت : غريب ، قالت : وهل تجد مع اللّه غربة ، وهو مؤنس الغرباء ، ومعين الضّعفاء ؟ فبكيت ، فقالت : ما هذا البكاء ؟ قلت : قد وقع الدّواء على الدّاء ، قالت : إن كنت صادقا فلم بكيت ؟ قلت : والصّادق لا يبكي ؟ قالت : لا ، لأنّ البكاء راحة القلب ، وملجأ يلجأ إليه ، وما كتم القلب شيئا أحقّ من الشّهيق والزّفير ، وأمّا البكاء فهو ضعف . وقال : كنت على شاطئ النّيل ، فرأيت عقربا ، فأردت قتلها ، فهربت ، فوقفت على الشّاطئ ، فركبت على ظهر ضفدعة ، فقامت بها حتّى وصلت للجانب الآخر ، فنزلت عن ظهرها ، وإذا برجل نائم وهو سكران ، وثعبان قد أقبل عليه ليلدغه ، فأسرعت العقرب نحو الثّعبان فلدغته فتقطّع ، فأيقظت الرّجل ، فقام مرعوبا ، فأخبرته الخبر ، فأطرق ثمّ قال : يا ربّ ، هكذا تفعل بمن عصاك ، فكيف بمن أطاعك ؟ فو عزّتك لا عصيتك أبدا . وقال : اجتمعت في جبل بيسان بامرأة متعبّدة كالشّنّ البالي ، كأنّها تخبر عن أهل المقابر ، فسألتها : أين وطنك ؟ قالت : ما لي وطن إلّا النّار ، أو يعفو العزيز الغفّار ، قلت : هل من وصية ؟ قالت : شمّر عن ساق الجدّ ، ودع ما يتعلّق به البطّالون من الرّجاء الكاذب ، الذي لا تحقيق لهم فيه ، ولا يدرون
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية ) — صفحة 611 | المناوي / محمد أديب الجادر