تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية ) — صفحة 609

مساهمون:

ص٦٠٩
وقال : وصف لي رجل بالجبل المقطّم ، فقصدته ، فمكثت عنده أربعين يوما ، ثم سألته ، فقلت : فيم النّجاة ؟ قال : في التّقوى والمراقبة . قلت : زدني ، قال : فرّ من الخلق ولا تأنس بهم ، قلت : زدني . قال : إنّ للّه عبادا حالفوه ، فسقاهم كأسا من محبّته ، فهم في شربهم عطاش ، وفي عطشهم أروياء ، ثمّ تركني . وقال : صحبت زنجيّا في التيه ، فكان إذا ذكر اللّه ابيضّ ، فورد عليّ أمر عظيم ، فسألته « 1 » ، فأنشد :
ذكرنا وما كنّا لننسى فنذكر * ولكن نسيم القرب يبدو فيظهر
فأحيا به عنّي وأحيا به له * إذ الحقّ عنه مخبر ومعبّر
ثم قال أيضا :
أنت في غفلة وقلبك ساهي * نفد العمر والذّنوب كما هي
جمّة حصّلت عليك جميعا * في كتاب وأنت عن ذاك لاهي
لم تبادر بتوبة منك حتّى * صرت شيخا فحبلك اليوم واهي
فاجتهد في فكاك نفسك واحذر * يوم تبدو السّمات فوق الجباه
وقال : دخلت مغارا بجبل فوجدت فيه رجلا يتعبّد ، فسألته عن مسألة في المحبّة ، فذاب كما يذوب الرّصاص ، ثمّ صار قدر النّطفة بلا عظم ولا لحم ، فالتقطته بقطنة ودفنته . وقال : بينا أنا أسير في جبال بيت المقدس إذ سمعت قائلا يقول : ذهبت الآلام عن أبدان الخدّام ، ولهيت بالطّاعة عن الشّراب والطّعام ، وألفت أبدانهم طول القيام ، بين يدي الملك العلّام ؛ فتبعت الصّوت ، فإذا شابّ أمرد ، قد علاه اصفرار ، يميل ميل الغصن إذا ميّلته الرّيح ، فلمّا رآني توارى منّي بالشّجر ، فقلت له : ليس الجفاء من أخلاقهم ، فأوصني ، فخرّ ساجدا ، وجعل يقول : هذا مقام من لاذ بك ، واستجار بمعرفتك ، وألف محبّتك ؟ ! فيا إله القلوب ،
هامش
( 1 ) في حلية الأولياء 9 / 391 : فسألته : لم يا هذا ، إنك إذا ذكرت اللّه تحول لونك ، وانقلبت عيناك ؟ .