وقال السّلمي : دخلت عليه « 1 » ، فرأيت بين يديه طستا من ذهب ، وحوله ندّ وعنبر ، فأعطاني درهما ، فنفقت « 2 » منه إلى أن وصلت إلى مقصدي « 3 » .
ومن وقائعه في سياحاته ما حكى ، قال : بينا أنا أسير في نواحي الشّام ، إذ وقعت على روضة خضراء ، وإذا بشابّ يصلّي تحت شجرة ، فسلّمت ، فأوجز في صلاته ، ولم يردّ ، ثم كتب بإصبعه في الأرض :
منع اللّسان من الكلام لأنّه * سبب الرّداء وجالب الآفات
فإذا نطقت فكن لربّك ذاكرا * وإذا سكتّ فعدّ موتك آت
قال : فبكيت ، وكتبت بإصبعي في الأرض :
وما من كاتب إلّا سيبلى * ويبقى الدّهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفّك غير شيء * يسرّك في القيامة أن تراه
فصاح الشابّ فمات ، فقمت لأجهّزه وأدفنه ، وإذا بقائل : خلّ عنه ، فإنّ اللّه وعده أن لا يتولّاه إلّا ملائكته ، فالتفتّ فلم أره .
وقال : بينا أنا أسير في بعض سياحتي ، فإذا أنا بصوت حزين كئيب موجع القلب ، أسمع الصّوت ولا أرى الشّخص ، وهو يقول : سبحان مفني الدّهور ، سبحان مخرّب الدّور ، سبحان باعث من في القبور ، سبحان مميت القلوب ، فاتّبعت الصّوت فإذا بإنسان يقول : سبحان من لا يسع الخلق إلّا ستره ، سبحانك ما ألطفك بمن خالفك ، وأوفاك بعهدك ، سبحانك ما أحلمك على من عصاك وخالف أمرك . ثمّ قال : سيّدي ، بحلمك نطقت ، وبفضلك تكلّمت ، فيا إله من مضى قبلي ، ومن سيكون بعدي ، بالصّالحين فألحقني ، ولأعمالهم وفّقني ، ثمّ قال : إنّ الزّهّاد والعبّاد نزل بهم الزّمان فأبلاهم ، وحلّ بهم البلاء فأفناهم ، فهل أنتظر إلّا مثل ما أصابهم ؟ فانصرفت وتركته باكيا .
هامش
( 1 ) في ( أ ) : دخلت عليه في مصر .
( 2 ) في ( أ ) : فتنفقت .
( 3 ) في ( أ ) إلى مصر ، وفي مختصر تاريخ دمشق 8 / 249 : إلى بلخ .