تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية ) — صفحة 610

مساهمون:

ص٦١٠
وما تحويه من جلال عظمتك ، احجبني عن القاطعين لي عنك ، ثمّ غاب فلم أره . وقال : رأيت في جبل لبنان رجلا أغبر نحيفا يصلّي ، فسلّمت ، فردّ ، فما زال راكعا ساجدا حتى صلّى العصر ، ثمّ استند إلى حجر ، ولم يكلّمني ، فقلت : ادع لي ، قال : آنسك اللّه بقربه ، قلت : زدني ، قال : من آنسه اللّه بقربه أعطاه أربعا « 1 » : عزّا من غير عشيرة ، وعلما من غير طلب ، وغنّى بغير مال ، وأنسا بغير جماعة ، ثمّ شهق ، فلم يفق إلّا بعد ثلاث ، فقال : انصرف عنّي بسلام ، قلت : أوصني ، قال : أحبب مولاك ، ولا ترد بحبّه بدلا . وقال : بينا أنا أسير في جبال أنطاكية ، إذا بجارية كأنّها مجنونة ، عليها جبّة صوف ، فسلّمت فردّت ، وقالت : [ ألست ] « 2 » ذا النّون ؟ قلت : كيف عرفتيني ؟ قالت : بمعرفة حبّ الحبيب ، ثم قالت : ما السّخاء ؟ قلت : البذل والعطاء ، قالت : هذا سخاء الدّنيا ، فما سخاء الدّين ؟ قلت : المسارعة إلى طاعة ربّ العالمين ، قالت : فإذا سارعت إلى طاعته ، فهو أن يطّلع على قلبك وأنت لا تريد منه شيئا ، ويحك ، إنّي أريد أن أطلب منه شيئا منذ عشرين سنة فأستحيي منه مخافة أن أكون كأجير السّوء ، إذا عمل طلب الأجر ، لكن أعمل تعظيما لهيبته وعزّ جلاله ، وذهبت وتركتني . وقال : رأيت في تيه بني إسرائيل سوداء قد استلبها الوله من حبّ الرّحمن شاخصة ببصرها نحو السّماء ، فقلت : السّلام عليك يا أختاه ، قالت : وعليك السّلام يا ذا النّون . قلت : من أين عرفتيني ؟ قالت : يا بطّال ، إنّ اللّه خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ، ثمّ أدارها حول العرش ، فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف ، فعرفت روحي روحك في ذلك الجولان ، قلت : أراك حكيمة ، فعلّميني ممّا علّمك اللّه . قالت : يا أبا الفيض ، ضع على جوارحك ميزان القسط ، حتّى يذوب كلّ ما كان لغير اللّه ، ويبقى القلب مصفّى
هامش
( 1 ) في ( أ ) : أربع خصال . ( 2 ) ما بين معقوفين مستدرك من صفة الصفوة 4 / 430 ، والمختار 444 / ب .
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية ) — صفحة 610 | المناوي / محمد أديب الجادر