كان شيخا جليلا قوّالا بالحقّ ، آمرا بالمعروف ، ناهيا عن المنكر ، متصدّيا للإفتاء والإفادة ، راغبا في تحصيل الحسنى وتكميل الزّيادة « 1 » .
امتحن بالقول بخلق القرآن على يد الواثق ، قيل له : ما تقول في القرآن ؟
قال : كلام اللّه . وأصرّ ، فقال بعض الحاضرين : هو حلال الدّم . وقال ابن أبي دؤاد : يا أمير المؤمنين ، شيخ مختلّ ، لعلّ به عاهة أو تغيّر عقل ، يؤخّر أمره ويستتاب . فقال الواثق : ما أراه إلّا كافرا . ثمّ قام إليه بالسّيف ، وقال : لا يقوم معي أحد ؛ فإنّي أحتسب خطاي « 2 » إلى هذا الكافر . فضرب عنقه بيده ، فصارت الرّأس بعد سقوطها تقول بلسان فصيح : اللّه اللّه ، لا إله إلّا اللّه ، ثمّ نصب الرّأس ببغداد أيّاما ، فصار لسانه يقرأ القرآن ، ومن جملة ما سمع منه :
ألم ( 1 ) أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ
[ العنكبوت : 1 - 2 ] .
مات سنة سبع وثلاثين ومائتين ، وقيل : سنة بضع عشرة ومائتين .
ورئي في النّوم ، وعلى رأسه تاج ، فقيل له : ما فعل اللّه بك ؟ قال : أدخلني الجنّة ، لكنّي كنت مغموما ثلاثة أيّام ، فمرّ بي المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلمّا بلغ خشبتي حوّل وجهه عنّي ، فقلت : يا رسول اللّه ، قتلت على الحقّ أم على الباطل ؟ قال :
على الحقّ ، لكن قتلك رجل من أهل بيتي ، فلمّا بلغت إليك استحييت منك .
ورآه آخر فقال : ما فعل اللّه بك ؟ فقال : ما كانت إلّا غفوة حتى لقيت اللّه عزّ وجلّ فضحك إليّ .
* * *
هامش
- 5 / 106 ، صفة الصفوة 2 / 363 ، المختار من مناقب الأخيار 70 / ب ، تهذيب الكمال 1 / 505 ، سير أعلام النبلاء 11 / 166 ، العبر 1 / 408 ، طبقات الشافعية للسبكي 2 / 51 ، الوافي بالوفيات 8 / 211 ، البداية والنهاية 10 / 303 ، تهذيب التهذيب 1 / 87 ، شذرات الذهب 2 / 69 . وفي المطبوع ذكر اسمه أحمد بن أبي نصر .
( 1 ) في ( أ ) : وطلب الزيادة .
( 2 ) في المطبوع : خطاياي .