القبر والمنبر ، فلمّا طلع الفجر استلقى على جنبه ، وقال :
عند الصّباح يحمد القوم السّرى « 1 »
فقلت : يا ابن أخي ، لك ولأصحابك لا للجمّالين .
وقال : ابن آدم ، ليس لما بقي في الدّنيا من عمرك ثمن .
والتقى يوما هو وأحمد بن حنبل بمكّة ، فقال ابن حنبل : حدّثنا بحكاية سمعتها من أستاذك الدّارانيّ ، فقال : يا أحمد ، قل سبحان اللّه بلا عجب . فقال ابن حنبل : سبحان اللّه - وطوّلها - بلا عجب .
قال : سمعت أبا سليمان يقول : إذا عقدت « 2 » النّفوس على ترك الآثام جالت في الملكوت ، وعادت إلى ذلك العبد بطرائف الحكمة من غير أن يؤدّي إليها عالم علما . فقام أحمد ثلاثا ، وجلس ثلاثا ، وقال : ما سمعت في الإسلام حكاية أعجب إليّ منها .
وقال : قال عيسى عليه الصّلاة والسّلام : طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعود غيب لم يره .
وقال : لأن أترك من عشائي لقمة أحبّ إليّ من أن آكلها وأقوم من أوّل اللّيل إلى آخره .
وقال : إذا عرض لك أمران لا تدري في أيّهما الرّشاد ، فانظر إلى أقربهما إلى هواك فخالفه ، فإنّ الحقّ في مخالفة الهوى .
وقال : ما أخلص عبد قطّ إلّا أحبّ أن يكون في جبّ « 3 » لا يعرف ، ومن أدخل فضولا من الطّعام أخرج فضولا من الكلام .
وقال : إنّ أهل العقل لم يزالوا يعودون بالذّكر على الفكر ، وبالفكر على الذّكر ، حتّى استيقظت قلوبهم ، فنطقت بالحكمة ، وورثوا السّرّ .
هامش
( 1 ) بيت شعر أول من قاله خالد بن الوليد رضي اللّه عنه ، فأرسله مثلا يضرب للرجل يحتمل المشقّة رجاء الرّاحة . مجمع الأمثال 2 / 3 ، لسان العرب ( سرا ) .
( 2 ) في حلية الأولياء 10 / 14 : اعتقدت .
( 3 ) في الأصول : حب ، والمثبت من حلية الأولياء 10 / 18 .